المسيحية في الإسلام

المسيحية في الإسلام

القمص إبراهيم لوقا


Bibliography

المسيحية في الإسلام. إبراهيم لوقا. الطبعة الرابعة . 1985. الطبعة الخامسة . 1995. English title: Christianity in Islam. German title: Spuren des Christentums im Islam.

تصدير

الكتاب الذي بين يديك، عزيزي القارئ، بلغ شأواً قلَّما بلغه كتاب غيره في مضمار المقارنات الدينية والحوار الإسلامي المسيحي.

ولقد أثبت فيه مؤلفه الراحل «نزاهة نفسه، ونُبْل قصده، وسعة أفقه، عندما وضع في كتابه هذا، الحقائق جلية واضحة، في غير تهجّم أو تعرُّض لأمر يجرح فيه ضمير أحد». فجاء الحق على لسانه وبقلمه شهادة حقة نقيّة لشخص المسيح «الطريق والحق والحياة»، في التوراة والإنجيل والقرآن.

والناشر اذ يزفُّ هذه الطبعة الخامسة المنقّحة، يهيب بالمطالع العربي - إن رام ثقافة نظيفة - أن يُقبل على قراءة هذا السفر النفيس بما يستحقه من رويّة وتفكير. عسى رعيل النزاهة يكثر، وذوو الضمائر الحيّة تزيد وتتسامى وتتجاوب، فيحق الله بهم الحق، ويجلو بواسطتهم ما ران ويرين على الحق الإنجيلي وشخص المسيح المبارك من متاهات التأويل والتخريج في عالمنا العربي والإسلامي، بقصد أو بغير قصد محاكاة لذوي الهوى والغرض.

والله سبحانه نسأل، أن يبارك كلمات هذا الكتاب وكل من يقرأها، وأن يرافق بروحه الصالح أثرها وإيماءاتها، له المجد والكرامة إلى أبد الآبدين، آمين.

الناشرون

تمهيد

حفظ نبي الإسلام للديانة المسيحيّة مركزها، وأيّد جلالها، وأثبت صحة الكثير من تعاليمها، ونادى بوجوب تقديس أوامرها والعمل بها، واحترام كتبها المنزلة، فكان بذلك شاهداً لها، ومؤيداً لصدقها. وسيأتي ذلك تفصيلاً، وحسبنا هنا أن نورد بعض آيات تصرح به:

  • جاء في سورة يونس 10: 37 «وَمَا كَانَ هَذَا ٱلْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ ٱللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ». ويقول البيضاوي في تفسير هذه الآية «إنّ القرآن جاء مطابقاً لما تَقدَّمه من الكتب الإلهية ... وتفصيل ما حقق وأثبت من العقائد والشرائع».

  • وجاء في فاطر35: 31 «وَٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ». ويقول البيضاوي في تفسيره «حقه مصدقاً لما تقدمه من الكتب السماوية».

  • وجاء في المائدة 5: 46 - 48 «وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ». ويقول البيضاوي أيضاً في تفسيره «والآية تدل على أنّ الإنجيل يشتمل على الأحكام». «وأنزلنا إليك الكتاب بالحق» أي القرآن «مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه» ورقيباً على سائر الكتب يحفظها عن التغيير ويشهد لها بالصحة والثبات.

لم يهاجم القرآن المسيحيّة التي أسّسها المسيح ونشرها رسله القديسون، ولكنه هاجم بِدعاً خاصة كانت قد ظهرت عند ظهوره، ونادت بتعاليم لا تقرّها المسيحية، فحاربها كما حاربتها المسيحية من قبل ومن بعد، وكلنا يعلم أنّ الشرق - وقت ظهور الإسلام - كان مرتعاً خصيباً للاضطرابات الدينية والخلافات المذهبية، فقد كانت الحرب لا تزال مستعرة بين اليهودية والمسيحية من جهة، وكانت الفِرق المبتدعة الخارجة عن النصرانية تتحارب مع بعضها من جهة ثانية، كما كانت الوثنية تنازع هاتين الديانتين - اليهودية والمسيحية - من جهة ثالثة. وكل من يطّلع على تاريخ الهرطقات يقف متحيراً إزاء ما كان بين هذه الديانات والمذاهب من تطاحن وعداوة وبغضاء، أشار إليها القرآن بقوله في المائدة 5: 14 «فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ» فقد كانت كل فرقة تكذّب الأخرى وتكفّرها.

الباب الأول: هل شهد القرآن بصحة العقيدة المسيحيّة؟

أولاً: شهد القرآن للنصارى بالتوحيد والإيمان الحق. ففي المائدة 5: 69: «إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ». ويقول البيضاوي: «من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً» من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ (سنتكلم عن النسخ في الباب الثاني) مصدقاً بقلبه بالمبدأ والمعاد عاملاً بمقتضى شرعه.

وبحكم هذه الآية وتفسيرها يكون المسيحيون - في نظر الإسلام - موحّدين غير مشركين، محقين في إيمانهم غير ضالين، مؤمنين غير كافرين، لأنّ لهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. إنّ الآية بخروجها من التخصيص: «الذين آمنوا والذين هادوا...الخ» إلى التعميم «من آمن بالله واليوم الآخر» قد شملت بالأجر والثواب كل من عمل صالحاً من «الذين آمنوا بالله واليوم الآخر» دون شرط الإيمان بالإسلام ورسالته.

وفي القرآن آيات عديدة تحمل تصريحاً قاطعاً بالتفريق بين المسيحية والوثنية، وفيها يفصل الإسلام بين المسيحيين والمشركين. وسيأتي ذكر هذه الآيات تفصيلاً مع ما يتبعها من شرح وتعليق في الكلام عن التثليث. ولكن نأتي هنا - على سبيل المثال - بواحدة منها وهي التوبة 9: 5 «فَٱقْتُلُوا ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ» فإذا تأملنا هذه الآية تأكد لدينا - ولدى كل مفكر - أنّ النصارى هم غير المشركين الذين أمر الإسلام بقتلهم، لأنّ الإسلام حقن دماء أهل الكتاب، ومنهم النصارى، إذا هم دفعوا الجزية (سورة التوبة 9: 29). ومن غير المعقول أنّ هذه الجزية تؤخذ عوض البقاء على الكفر، وبدل الاستمرار على الشرك، وإلا أضحى آخذوها - وهم المسلمون - شركاء في هذا الكفر والإشراك بالله، لما يكون في عملهم هذا من التجاوز عما لا يجوز فيه من حرام ومحظور. والكفر لا يُشرى والإيمان لا يُباع.

فإذا أضفنا هذا النص وأمثاله إلى ما تقدم خرجنا بنتيجة لا شك فيها هي أنّ الإسلام تكلم عن المسيحيين كقوم موحّدين، مفرّقاً بين عقيدتهم وعقيدة المشركين.

لقد نشأ الإسلام يحارب الوثنية ويجاهد اليهودية ويؤاخذ المسيحية، في مذاهبها المبتدعة التي كانت تتنافى تعاليمها مع العقيدة الصحيحة في الله تعالى، منكراً عليها ما كان يثير الجدل والنقاش حولها.

هاتان هما الحقيقتان اللتان جعلنا هذا الكتاب موضوعاً لبحثهما والكشف عنهما، وغايتنا التي نتوخاها من هذا البحث هي التوفيق لا الجدل والتفريق، راجين أن يتقبل إخوتنا المسلمون رسالتنا هذه كرسالة محبة وإخلاص. وفقنا الله جميعاً إلى سواء السبيل.

ثانياً: شهد القرآن للنصارى بحسن الأخلاق، مما يدل على تأثير المسيحية في أخلاق تابعيها. فقد جاء في المائدة 5: 82: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ٱلَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ». كما جاء في الحديد 57: 27: «ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً». ما جاء في آل عمران 3: 113 ، 114: «لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَاءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ».

فهذه الآيات - وغيرها كثير يشبهها - شهدت للمسيحيين بالمودة والوداعة والرأفة والرحمة والحياة التقية الصالحة والعبادة وخشية الله، ووصفتهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمسارعة في عمل الخير، وآثرتهم على غيرهم من أهل الكتاب وفضّلتهم على سواهم من أصحاب الشرائع والمِلل الأخرى وحضّت على الركون إلى محبتهم، بما يجلي الريب عن عقيدتهم، فقد صرحت بأنهم غير المشركين، وأنهم أقرب الناس مودة نحو المسلمين، عكس الكافر والمشرك فإنهما عدوّان لدودان للمؤمن دائماً أبداً.

ثالثاً: شهد القرآن برفعة المسيحيين على الكافرين بالمسيحية، فقد جاء في آل عمران 3: 55: «إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ».

رابعاً: حكم الإسلام بالفسق على من لم يُقِم أحكام الإنجيل. فقد جاء في المائدة 5: 47: «وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ». وقد ذكر البيضاوي في تفسيره «فأولئك هم الفاسقون» عن حكمه أو عن الإيمان إن كان مستهيناً به ... والآية تدل على أنّ الإنجيل مشتمل على الأحكام وأنّ اليهودية منسوخة ببعثة عيسى.

خامساً: أقرَّ الإسلام بحقيقة تعاليم المسيحية، وحضَّ على الإيمان بها، فقد جاء في العنكبوت 29: 46: «وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِٱلَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ».

سادساً: دعا إلى الإيمان بالتعاليم الواردة في التوراة والإنجيل، فقد جاء في النساء 4: 136: «يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً» وأيضاً آل عمران 3: 84: «قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَٱلنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ».

هذه بعض تصريحات القرآن عن المسيحية والمسيحيين. والذي يطالع القرآن بإمعان في غير تعصّب ولا محاباة يكتشف شهادات صريحة في بهاء التي ذكرناها وجلالها. ألم تر كيف جعل القرآن النصارى والمسلمين في كفتي ميزان واحد، تعدل كل منهما الأخرى، دون نقص أو زيادة؟

اقرأ الحج 22: 40: «وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيراً».هذه الآية ساوت بين الصوامع والبيع الخاصة بعبادة النصارى، والمساجد الخاصة بعبادة المسلمين، وأقرَّت الفريقين بعبادة الله على السواء.

الخلاصة:

يتضح جلياً مما سبق أنّ القرآن يشهد بصحة العقيدة المسيحية، وصدق الإيمان بها. ويعلن أنّ النصارى قوم موحِّدون لا تشوب عقيدتهم شائبة شِرك، ولا يعلق بإيمانهم نقص أو عيب. كما شهد للمسيحية بحُسن تأثيرها في القلوب، وتقويم اعوجاج النفوس.

الباب الثاني: صحّة الكتاب المقدس

في دراستنا لصحّة الكتاب المقدس سنتطرق إلى أربعة موضوعات:

الكتاب المقدس كتاب منزل

الكتاب المقدس غير مُحرّف

الكتاب المقدس لم يُنسخ

الكتاب المقدس يجب مطالعته والعمل به

الفصل الأول: كتاب منزل

الكتاب المقدس هو الكتاب الموحى به من الله عزّ وجل، والتاريخ الصادق لسيرة ابنه الإلهي المتأنّس، وأعماله وتعاليمه، وهو الدستور الأدبي والاجتماعي الذي به وفيه تمدُّن البشر وترقّيهم في معارج الكمال. يؤمن به المسيحي، ويعتبره الركن الوطيد لدينه، وينظر إليه غيره بعين الإجلال كسِفْرٍ منزَل من عند الله.

ويثبت تنزيل الكتاب إسلامياً من:

  1. الآيات القرآنية التي تصرّح بذلك.

  2. الألقاب التي لقّب بها القرآن الكتاب المقدس والتي تدل على تنزيله.

  3. الصفات التي نعت بها القرآن الكتاب المقدس.

أولاً: تنزيل الكتاب المقدس

تنزيل التوراة:

  • «وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (البقرة 2: 53). ويقول البيضاوي في تفسيره «الفرقان يعني التوراة الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وحجة تفرق بين الحق والباطل».

  • «وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ» (الأنبياء 21: 48). وقال البيضاوي «أي الكتاب الجامع لكونه فارقاً بين الحق والباطل وضياء يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة، وذكراً يتعظ به المتقون، أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع».

  • «وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ» (الجاثية 45: 16) وقال البيضاوي: «الكتاب» هو التوراة، و «الحكم» الحكمة النظرية والعلمية أو فصل الخصومات، و «النبوّة» إذ كثر فيهم الأنبياء ما لم يكثر في غيرهم «وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ...وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ» (الصافات 37: 114 و117).

  • «وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَلاَ تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ» (السجدة 32: 23).

  • «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ... قُلِ ٱللَّهُ» (الأنعام 6: 91).

  • «وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ هُدىً وَذِكْرَى لأُولِي ٱلأَلْبَابِ» (غافر 40: 53 ،54).

  • «وَمِنْ قَبْلِهِ (أي من قبل القرآن) كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً» (هود 11: 17).

  • «وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ» (البقرة 2: 87).

  • «وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ» (المائدة 5: 43).

  • و «إِنَّا أَنْزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ» (المائدة 5: 44).

تنزيل الزبور (المزامير):

  • «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ» (الأنبياء 21: 105).

  • «وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً» (الإسراء 17: 55 والنساء 4: 163).

تنزيل الإنجيل:

  • «تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ... وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ» (سورة البقرة 2: 87 و253).

  • و «ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنْجِيلَ» (سورة الحديد 57: 27).

  • «وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ... وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ» (سورة المائدة 5: 46 ، 47).

  • و «قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً» (سورة مريم 19: 30).

  • «وَيُعَلِّمُهُ (المسيح) ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ» (سورة آل عمران 3: 48).

  • و «إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ... عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ» (سورة المائدة 5: 110).

تنزيل الكتاب المقدس:

  • و «ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ» (سورة الأنعام 6: 20).

  • و «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَٱسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَأُونَ ٱلْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ» (سورة يونس 10: 94).

  • «وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ويَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ» (سورة العنكبوت 29: 27).

  • «وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ ٱللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ» (سورة الشورى 42: 15).

  • «وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِٱلَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ» (سورة العنكبوت 29: 46).

  • و «وَأَنْزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ» (سورة آل عمران 3: 3 ، 4).

  • و «جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ» (سورة فاطر 35: 25).

  • و «وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُوا أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ» (سورة الأنبياء 21: 7).

فَمِن الآيات الصريحة السابقة (وكثير غيرها) يتضح جلياً أنّ القرآن يشهد للكتاب المقدس (بعهديه القديم والجديد) بالوحي والتنزيل من لدن الله تعالى. وإنّا لا نرى لوضوحها وصراحتها حاجة إلى التعليق عليها.

ثانياً: ألقاب الكتاب المقدس

فالقرآن يدعوه «الكتاب». وقد ذُكر هذا التعبير وصفاً للكتاب المقدس أكثر من عشرين مرة في سُوَر آل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأحزاب. كما دعاه «الفرقان» في سورتي الفرقان والبقرة. كما سمّاه «الذِكر» في سورة الأنبياء.

ومعلوم أنّ هذه الألقاب - الكتاب والذِكر والفرقان - لَقَّب بها القرآن نفسه (راجع سُوَرَ آل عمران والفرقان وطه وغيرها). فإذا كان القرآن قد أعطى الكتاب المقدس نفس الألقاب التي لقب بها نفسه، فهذا اعتراف صريح منه بتنزيل الكتاب المقدس ووحيه.

ثالثاً: صفات الكتاب المقدس

وحسبنا هنا أن نورد هذه الآيات:

  • «إِنَّا أَنْزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ» (سورة المائدة 5: 44).

  • «وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ... وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ» (سورة المائدة 5: 46).

  • و «وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً» (سورة هود 11: 17 وسورة الأحقاف 46: 12).

  • و «وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ هُدىً وَذِكْرَى لأُولِي ٱلأَلْبَابِ» (سورة غافر 40: 53 ، 54).

  • و «وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً» (سورة القصص 28: 43).

  • و «ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً» (سورة الأنعام 6: 154).

فنرى القرآن في هذه الآيات قد وصف الكتاب المقدس بأوصاف لا تليق إلا بكتاب منزل.

فيحق لنا أن نقول إنّ القرآن يضع الكتاب المقدس وإياه في صف واحد بلا أدنى تمييز، معتبراً إياه كتاباً منزلاً.

الخلاصة:

نستخلص مما سبق أنّ القرآن يصرّح، بما ذكر عن الكتاب المقدس من صريح الآيات، أنّه كتاب منزل، لا يأتيه الشك من بين يديه ولا من خلفه.

الفصل الثاني: كتاب غير مُحرّف

جئنا في البحث السابق ببعض الآيات التي تفيد تنزيل الكتاب المقدس ووحيه، وهي صريحة كما رآها القارئ، لا تحتاج إلى تعليق أو شرح وزيادة بيان. ولكن بقي عامة المسلمين على اعتقاد أنّ الكتاب المقدس قد لعبت به الأيدي، وضاعت قيمته بالحذف تارة وبالزيادة تارة أخرى، ونراهم يسلكون في دعواهم هذه دروباً يتكلفون في سبيلها كثيراً من الإجهاد والمشقة، مع أنهم لا يسندونها إلى زمان معلوم، أو مكان معيّن، أو فاعل معروف. وهم بعدم إسنادهم هذا قد أسقطوا دعواهم، فدعوى المدَّعي، مجرَّدة عن كل بيِّنة وبرهان، لا تكون مسنداً للحكم، لأنّ التحريف صفة عارضة، وحَدَثٌ يجب أن يُسند إلى فاعل وزمان ومكان، ويجب أيضاً لإثباته أن يُظهِروا لنا الكتاب الحقيقي الذي لم تلعب به الأيدي.

على أنّ هذا التحريف المزعوم أمر لم يكن - ولن يكون - في الاستطاعة حدوثه، لانتشار الكتاب بأيدي المؤمنين في كثير من جهات الدنيا، قبل الإسلام وبعده. فلو أُريد تغييره أو تبديله، أو تحريفه بالزيادة عليه أو النقص منه، للزم جمع كل نسخه وتحريفها، أو إبدالها بسواها، وهذا - كما يظهر لأول وهلة لكل ذي عقل سليم - أمر مستحيل، لتفاوت الشعوب المؤمنة بالكتاب: في اللغة والبيئة. ولن يمكن إتمام مثل هذا التحريف إلا إذا تواطأ الجميع عليه، وهذا أيضاً أمر مستحيل. ولو وقع لكان عثرة للناس، ومفسدة للعقيدة، ومضيعة لقداسة الكتاب، ودافعاً إلى الحط من قيمته ككتاب منزل، لأنّ إبدال حرف واحد في سفر مقدس يفضي إلى الشك فيه كله، فالعيب في البعض يذهب بصحة الكل، وصانع التمثال لا يعبده!

والكتاب إن كان قد حُرِّف حقيقة - كما يزعمون - فإمّا أن يكون هذا التحريف قد وقع قبل ظهور الإسلام وإمّا بعده. والآن لنرى ما يقول القرآن في هذا:

سلامة الكتاب من التحريف:

أولاً: قبل ظهور الإسلام:

(أ) جاء القرآن مصدقاً لما في الكتاب المقدس، وفي هذا شهادة ضمنية بسلامة الكتاب من التحريف. قال:

  • «وَمَا كَانَ هَذَا ٱلْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ ٱللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» (سورة يونس 10: 37).

  • «لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي ٱلأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (سورة يوسف 12: 111).

  • «يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ» (سورة البقرة 2: 40، 41).

  • «ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ» (سورة آل عمران 3: 81).

  • «قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ» (سورة البقرة 2: 97).

  • «وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ... نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَابَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ» (سورة البقرة 2: 89، 101).

  • «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ» (سورة البقرة 2: 91).

  • «نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ» (سورة آل عمران 3: 3، 4).

  • «وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» (سورة الأنعام 6: 92).

  • «وَٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ» (سورة فاطر 35: 31).

  • «يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ» (سورة النساء 4: 47).

فهل بعد هذا يستطيع قائل أن يدّعي أنّ الكتاب المقدس قد حُرّف قبل ظهور الإسلام؟ فإن كابر وادّعى فهل يكون من المعقول أنّ نبي الإسلام يشهد كل هذه الشهادات القاطعة، وينعت بكل جميل كتاباً وقع فيه التحريف؟ وكيف يعقل أنّ الله - وهو في الاعتقاد الإسلامي مُنزل القرآن - يخدع الناس ويكذب عليهم ويؤيد باطلاً ويشهد لمحرَّف؟

حقاً أنه قبل ظهور الإسلام عظم الخلاف بين اليهود والنصارى، وكثر الشقاق بين الطوائف والمذاهب، ولكن لم يجسر أحد على مسّ الكتاب «فهم لم يختلفوا في شيء منه، وإنما اختلفوا في تفسيره».

ولو كان الكتاب قد حُرِّف قبل ظهور الإسلام للزم أن يتحاشى القرآن ذكره بهذه التجلة وذلك التقديس، ولوجب ألا يغمض عينيه على هذا القذى، لاسيما وأن من الخير له أن يكشفه للناس، لينزل بالكتاب عن درجة حرمته وقداسته والثقة به إلى هوَّة الإنتهاك له، والسخرية به والشك فيه، وترويجاً لدعوة الإسلام.

أما وأنّ القرآن يصرّح أنه جاء مصدقاً لما بين يديه ويحرِّض على التمسك به والاحتكام اليه، ويدعو إلى الإيمان بما فيه. ويثني عليه الثناء العاطر الجميل، فلا مفرّ من التسليم بسلامة الكتاب من التحريف قبل ظهور الإسلام، وإلا لأضحى كلام القرآن عبثاً، لأنه يكون تصديقاً لمحرَّف، وهيمنةً على باطل.

(ب) الآيات التي تدل على بقاء الكتاب سليماً من كل تحريف. قال:

«فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَٱسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَأُونَ ٱلْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ» (سورة يونس 10: 94). وقال البيضاوي في تفسيره «فإن كنت في شك مما أنزلنا اليك» من القصص على سبيل الفرض والتقدير «فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك» فإنه محقَّق عندهم ثابت في كتبهم على نحو ما ألقينا اليك، والمراد تحقيق ذلك، والاستشهاد بما في الكتب المتقدمة وأنّ القرآن مصدّق لما فيها. وفي تفسير الجلالين «فإن كنت في شك مما أنزلنا اليك» من القصص فرضاً «فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك» فإنه ثابت عندهم يخبروك بصدقه. فكيف يرضى نبي الإسلام لنفسه أن يسأل عن شكه قوماً حرَّفوا كتابهم، إن كان قد آنس في الكتاب أثر التحريف؟ والذين يقرأون الكتاب من قبله لا يؤدون عملاً، ولا يجيبون جواباً إلاّ مسنداً إلى هذا الكتاب؟

فالإحالة على أهل الكتاب، والقول بأنّ القرآن مصدِّق لما في الكتب الإلهية المقدسة، من غير ما تخصيص بفرقة خاصة منهم، ولا ارتكان على نصوص معينة من الكتاب، دليل كاف على صدقه وسلامته من التحريف وإلا ما اُتخذ شاهداً ومؤيداً ودليلاً.

فإن قيل إنّ بعض علماء الكتاب كانوا مقيمين على تعاليم مصونة عندهم لم يمسها التحريف، وإنّ الإحالة كانت مقصورة على هؤلاء، قلنا إنّ التاريخ - والقرآن نفسه أحد أركانه ومستنداته - ناطق بأن العلماء جميعاً كانوا أول معارضي الدين الجديد. على أن مقتضى الإحالة أن تكون عامة. كما هي في مورد النص لتثبت الحجة، ويقوم الدليل الذي لا مفر من التسليم به.

وقال في المائدة 5: 43: «وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بَٱلْمُؤْمِنِينَ». وجاء في تفسير الجلالين لهذه الآية: «وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله» بالرجم. إستفهام تعجب. أي لم يقصدوا بذلك معرفة الحق، بل ما هو أهون عليهم. ومن هذا يتضح أنّ اليهود لم يمسّوا التوراة بالتحريف حتى فيما كان يخالف أهواءهم منها.

وقال في سورة الجمعة 62: 5: «مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُوا ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً» وقال البيضاوي في تفسيره «مثل الذين حملوا التوراة» علموها وكُلفوا العمل بها ثم لم يحملوها، لم يعملوا بها أو لم ينتفعوا بما فيها، كمثل الحمار يحمل أسفاراً أي كتباً من العلم يتعب في حملها ولا يستفيد بها. وفي هذا إشارة إلى عدم مس التوراة بتحريف ما، بل دليل فقط على عدم فهمها والعمل بها، لأن الحمار إذا حمل أسفاراً لا يفهمها، لكنه لا يقدر أن يتعرض لها بتحريف أو تغيير.

وقال في سورة آل عمران 3: 93: «كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ... قُلْ فَأْتُوا بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» ويقول البيضاوي «أمر بمحاجتهم بكتابهم وتبكيتهم بما فيه من أنه قد حرم عليهم بسبب ظلمهم ما لم يكن محرماً». فكيف يطالب القرآن اليهود بتلاوة التوراة لمعرفة الحق، وكيف يحكمهم ليسترشدوا بهديها إن كانت قد حُرفت؟

وحسبنا هذه الآيات في هذا الشأن. ومن أراد الزيادة فليقرأ سُوَر النساء والأعراف والرعد والأنبياء، ففيها نصوص عديدة تؤكد ما ذهبنا إليه.

ثانياً: عدم حدوث التحريف بعد ظهور الإسلام:

جاء في سورة المائدة 5: 48: «وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ». قال البيضاوي في تفسير هذه الآية «مهيمناً عليه» رقيباً على سائر الكتب يحفظها من التغيير ويشهد لها بالصحة والثبات. فالقول بهيمنة القرآن على التوراة والإنجيل دليل على أنّ الإسلام يسلم بأنهما قد حُفظا - ويُحفظان سالمين لم تلعب بهما أيدي المحرفين.

فدعوى أن التحريف قد وقع بعد ظهور الإسلام دعوى باطلة، وليس في التاريخ إشارة ما إلى وقوع مثل هذا الحادث الجلل، كما أنّ وقوعه أمر مستحيل، كما بينّا في كلامنا السابق. فالكتاب الذي تتداوله اليوم أيدي أهل الكتاب هو هو ذات الكتاب الذي كان بين أيديهم وقت ظهور الإسلام، هو هو نفس الكتاب الذي أوحي به إلى موسى والنبيين من ربهم، هو هو عين الكتاب الذي صدر عن الرسل. دليلنا على ذلك أنّ عقيدتهم اليوم هي ذات عقيدتهم يوم ظهر الإسلام، يؤكد هذا ما جاء في أسباب التنزيل لقوله في سورة مريم 19: 16 - 34: «وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً... ذَلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتَرُون» فلم يذكر القرآن هنا أن المسيح كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه. وقد جاء في أسباب التنزيل أن النصارى اعترضوا محمداً كيف لم يذكر هنا أن المسيح ابن الله، مما يدل على أنّهم كانوا يعتقدون فيه ما نعتقد نحن اليوم. ولا شك أن هذا المعتقد جاءهم من الكتاب الذي كان بين أيديهم، وجاء القرآن مصدقاً لما فيه ومهيمناً عليه.

ثم أن المسيحية وقت ظهور الإسلام كانت منتشرة في كثير من ممالك الدنيا كتركيا والشام ومصر واليونان والهند والعجم وإيطاليا وألمانيا وفرنسا وانجلترا، فهل يا ترى يسلم العقل أن النصارى الموجودين في كل هذه البلاد المتباعدة يجتمعون ويتفقون على تحريف كتابهم الذي يقدسونه إلى اليوم، ويجودون بالأموال والأرواح في سبيل الذود عنه وحمايته من كل عدوان؟

ثالثاً: استحالة التحريف قبل ظهور الإسلام وبعده:

جاء في سورة الحجر 15: 9: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» وفي تفسير الجلالين لهذه الآية «إنه يحفظ ما أنزله من التبديل والتحريف والزيادة والنقص». والتوراة والإنجيل كتابان إلهيان أنزلهما الله، كما أثبتنا ذلك في البحث الأول من هذا الباب، وقد نعتهما القرآن بالذكر كما جاء في سورة الأنبياء 21: 7 و48 و105: «فَٱسْأَلُوا أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ - وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ - وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ».

فما دام الله قد وعد بحفظ الذكر، والله غير مخلف وعده، فتحتم استحالة تغيير الكتاب بالتحريف والتبديل لأنّ الله أنزله، وهو له حافظ، وعليه رقيب.

وجاء في سورة الكهف 18: 27: «لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ»، وفي سورة يونس 10: 64: «لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ». وفي سورة الأنعام 6: 34، 115: «لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ». وأيضاً: «لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ» وفي سورة الفتح 48: 23: «وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً». والتوراة والإنجيل كلام الله، ولا يمكن أن يدخل شيء من التبديل أو التحريف على كلامه جلّ شأنه.

والنتيجة إذن أنّ الكتاب المقدس لم ولن يلحقه تحريف.

الردّ على دعوى التحريف:

قديماً قيل: لو عُرف السبب بطل العجب. فجدير بنا هنا أن نأتي على ذكر الأسباب التي تدفع عامة المسلمين إلى اتهام الكتاب المقدس بالتحريف. والذي نراه دافعاً لهذا أسباب أربعة:

  1. لفظ التحريف الذي ذكره القرآن.

  2. فكرة المسلمين عن الوحي الإلهي والإنجيل.

  3. ذكر حوادث الصلب والدفن والقيامة ضمن نصوص الكتاب المقدس.

  4. عدم ذكر اسم «محمد» فيه.

السبب الأول: التحريف

يدّعي إخوتنا المسلمون أنّ الكتاب قد حُرّف لأنّ القرآن اتّهم ضمن آياته أهل الكتاب بتحريف كتابهم. ولنأت بهذه الآيات ثم نعقب بردِّنا عليها:

جاء في سورة البقرة 2: 42: «وَلاَ تَلْبِسُوا ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ».

قال الرازي في تفسير هذه الآية «ولا تلبسوا الحق» بسبب الشبهات التي توردونها على السامعين، لأنّ النصوص الواردة في التوراة والإنجيل بخصوص محمد كانت نصوصاً خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال. ثم أنّهم كانوا يجادلون فيها ويشوّشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بسبب إلقاء الشبهات، فهذا هو المقصود بقوله: «ولا تلبسوا الحق بالباطل». وقال البيضاوي في تفسيره: ... واللبس الخفاء، وقد يلزمه جهل الشيء مشتبهاً بغيره، والمعنى: لا تخلطوا الحق المنزل عليكم بالباطل الذي تخترعونه وتكتمونه حتى لا يميز بينهما، أو: ولا تجعلوا الحق ملتبساً بسبب خلط الباطل الذي تكتمونه في خلاله، أو تذكرونه في تأويله ... «وتكتموا الحق» ... نهوا عن الإخلال بالتلبس على من سمع الحق، والإخفاء على من لم يسمعه. وحاصل هذا التفسير أنّ الغرض من اللبس ليس التحريف بل التأويل والإخفاء، وهذا حجة على أنّ أهل الكتاب حافظوا على كتابهم.

وقال أيضاً في البقرة 2: 75: «أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ». قال البيضاوي «فريق منهم» طائفة من أسلافهم أي اليهود «يسمعون كلام الله» يعني التوراة «ثم يحرفونه» كنعت محمد وآية الرجم، أو تأويله فيفسرونه بما يشتهون. «من بعد ما عقلوه» أي فهموه بعقولهم ولم يبق لهم فيه شك. فظاهر أنّ المقصود بالتحريف هنا أيضاً التأويل الفاسد والإخفاء.

وقال أيضاً في البقرة 2: 101: «وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَابَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ».

قال الرازي في تفسير هذه الآية ما ملخصه: «إنّ الذي نبذه أهل الكتاب هو التوراة بعدولهم عنه عن علم ومعرفة». وقال البيضاوي: «وأعلم أنّ الله دلّ بالآيتين على أنّ جيل اليهود أربع فرق: فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب، وهم الأقلون ... وفرقة جاهروا بنبذ عهودها وتخطي حدودها تمرداً وفسوقاً، وهم المعنيون بقوله «نبذ فريق منهم». وفرقة لم يجاهروا بنبذها ولكن نبذوها لجهلهم، وهم الأكثرون. وفرقة تمسكوا بها ظاهراً ونبذوها خفية عالمين بالحال بغياً وعناداً، وهم المتجاهلون» . وحاصل هذه الآية وتفسيرها الإقرار ببقاء التوراة دون تحريف. وما كان تلاعب اليهود فيها إلا بالإخفاء وفساد التأويل.

وقال أيضاً في البقرة 2: 174: «إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ».

وفسّر الرازي هذه الآية بما ملخصه: إنّ أهل الكتاب كانوا يكتمون صفة محمد ونعته والبشارة به، وهو قول ابن عباس وقتادة والأصم وابن مسلم، وقد اختلفوا في كيفية الكتمان. فالمروي عن ابن عباس أنّهم كانوا محرفين يحرفون التوراة والإنجيل. وعند المتكلمين هذا ممتنع لأنّهما كانا كتابين بلغا في الشهرة والتواتر إلى حيث يتعذر ذلك فيهما. بل كانوا يكتمون التأويل، لأنّه قد كان فيهم من يعرف الآيات الدالة على نبوَّة محمد، وكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة عن محاملها الصحيحة. فهذا هو المراد من الكتمان، فيصير المعنى: إنّ الذين يكتمون معاني ما أنزل الله.

ومن هذا التفسير نستخلص:

  1. لا يصح أن تُتّخذ الآية دليلاً على تحريف الكتاب.

  2. التحريف المقصود هو الكتمان وفساد التفسير.

  3. تحريف أهل الكتاب كتابهم مستحيل حسب إقرار الإمام الرازي.

وقال في سورة آل عمران 3: 70: «يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ».

فسرها الرازي بأن المقصود بآيات الله الآيات الواردة في التوراة والإنجيل المبشِّرة بمحمد، وأنّ أهل الكتاب كانوا ينكرون وجود هذه الآيات أمام المسلمين وعوامهم، فإذا خلوا بعضهم إلى بعض شهدوا بصحتها.

وفي الإشارة إلى شهاداتهم بصحتها دليل على أنَّ التحريف كان بالكتمان وفساد التأويل.

كما جاء في آل عمران 3: 78: «وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ».

وقد تساءل الرازي: كيف يمكن إدخال التحريف في التوراة مع شهرتها العظيمة بين الناس؟ وأجاب أن هذا العمل ربما يكون قد صدر عن نفر قليل يجوز عليهم التواطؤ، والأصوب عندي أن الآيات الدالة على نبوّة محمد كانت تحتاج إلى تدقيق النظر وتأمل القلب، والقوم كانوا يوردون عليها الأسئلة المشوشة والإعتراضات المظلمة فتصبح هذه الآيات غامضة على السامعين، واليهود كانوا يقولون مراد الله من الآيات ما ذكرنا لا ما ذكرتم، فهذا هو المراد بالتحريف ولوي الألسنة.

ويتضح لنا من هذه الآية وتفسيرها:

  1. الشعور بصعوبة القول بتحريف الكتاب.

  2. الضعف في تعليل ذلك التحريف المزعوم.

  3. استصوب الرازي الرأي القائل إن معنى التحريف هو التأويل الفاسد والتعمية في التفسير.

وجاء أيضاً في آل عمران 3: 187: «وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيَثاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ».

وفسّر الرازي والبيضاوي والجلالان وغيرهم من المفسرين هذه الآية بما لا يخرج عن معنى التفسير المذكور في الآية السابقة.

وجاء في النساء 4: 46: «مِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ...».

ويقول الرازي في تفسيره ما ملخصه: «إنّهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر، فإن قيل: كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر المشهور في الشرق والغرب؟ قلنا: لعل القوم كانوا قليلين والعلماء بالكتاب غاية في القلة فقدروا على هذا التحريف».

ثم أتى الرازي برأي آخر قائلاً: «إنّ المراد بالتحريف إلقاء الشبهة الباطلة والتأويلات الفاسدة وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية، كما يفعله أهل البدعة بالآيات المخالفة لمذهبهم، وهذا هو الأصح».

وخلاصة هذا التفسير:

  1. ضعف تعليل وقوع التحريف.

  2. الأصح في المراد بالتحريف هو التفسير الفاسد.

  3. إنّ هذا عينه كان يجريه أصحاب المذاهب المبتدعة الإسلامية في القرآن المسلَّم بأنه لم يحرَّف.

وجاء في المائدة 5: 41: «يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ» ويفسرها البيضاوي بقوله «من بعد مواضعه» أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها... رُوي أنّ شريفاً من خيبر زنى بشريفة، وكانا مُحْصَنَين، فكره اليهود رجمهما، فأرسلوهما مع رهط إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله عنهما، وقالوا إنْ أمركم بالجلد والتحميم فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا. فأمرهم بالرجم فأبوا عنه. فجعل ابن صوريا حكماً بينه وبينهم وقال له «أنشدك الله الذي لا إله إلا هو، الذي فرق البحر لموسى، ورفع فوقكم الطور، وأنجاكم وأغرق آل فرعون، والذي أنزل عليكم كتابه حلاله وحرامه، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن... قال: نعم. فوثبوا عليه. فقال خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب. وقال الرازي: «من بعد مواضعه» أي بعد أن وضعه الله مواضعه، أي فرض فروضه، وأحل حلاله وحرم حرامه. وهنا المقصود بقوله إنهم وضعوا الجَلْد مكان الرجْم في حادثة زنى اثنين من أشراف قريش» . وقد ذُكرت هذه الحادثة في كتاب (أسباب التنزيل) مما يدل على أن المقصود بالتحريف ليس هو التغيير اللفظي، بل الإخفاء وفساد التفسير، كما تبين في تفاسير الآيات السابقة، وفي هذا دفع لادّعاء التحريف المزعوم.

نستنبط من كل ما سبق من الآيات القرآنية وتفاسيرها عن دعوى تحريف الكتاب المقدس قبل عصر الإسلام:

التحريف لغة هو صرف أو إمالة الشيء عن أصله. وقال أكثر المفسرين إنّ تحريف الكتب المقدسة معناه الصرف الفاسد. ومن قال منهم بغير ذلك لم يحكم جازماً بوقوع التحريف اللفظي، بل كان يصرح باحتمال الوجهين، ثم يرجحون القول بالتحريف المعنوي.

المعقول هو حمل كلمة التحريف على معنى التحريف المعنوي، لصعوبة التحريف اللفظي، كما أقر بذلك أكثر المفسرين. وقد قال الرازي عند تفسيره المائدة 5: 41: «التحريف يحتمل التأويل الباطل لأن الكتاب المنقول بالتواتر لا يتأتّى فيه تغيير اللفظ».

على فرض حصول التحريف يكون قد حدث في التوراة دون مساس بالإنجيل، لأن آيات القرآن التي ذكر فيها التحريف نزلت في اليهود، ولا تشير قط إلى النصارى. وإذاً نستطيع أن نجزم بأنه لا برهان من القرآن على تحريف الإنجيل مطلقاً.

لم يرمِ القرآن كل اليهود بتحريف التوراة (على فرض أن المقصود به تحريف لفظي) إنما وقع من بعض اليهود. وعلى ذلك فأكثر نسخ التوراة عند بقية اليهود لم يمسها التحريف.

لم يرمِ القرآن اليهود بتحريف جميع التوراة، بل بتحريف بعض آياتها.

لم يرد من آيات التحريف شيء في السّور المكية، بل أنّ ما ورد في السّور المكية عن التوراة والإنجيل كان مدحاً وتعظيماً. ومعلوم أن السّور المكية سبقت السّور المدنية، فلو كان هناك تحريف في الكتاب لأُشير إليه منذ البداءة عوض المدح والإطراء.

قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير: «التحريف والتغيير والتبديل هو إمالة الشيء عن حقه، وهذا هو معنى التحريف في اللغة. ومتى نُسب إلى الكتب السماوية كان القصود به إمالة كلام الله عن مقصده الإلهي، ومعناه الحقيقي. ويشترط في حصول التحريف شروط ثلاثة: (1) إنّ التحريف يصير بمعرفة صانعه. (2) أن يصنعه الفاعل عمداً وبقصد. (3) إنّه لا يحصل ولا يقوم إلا بإفساد النص الحقيقي».

ثم قال الرازي: «وقد بدأت بذكر الشرط الأول لأنه بحسب قرآننا الشريف هو الذنب الثقيل الذي ليس له مثيل. ولكن إن حدث بدون معرفة الفاعل أي بجهل فلا يكون ذنباً. والنتيجة أن القرآن حين يذكر تحريفاً ما، يريد التحريف الحاصل بمعرفة فاعله. دليل ذلك الآيات المذكور فيها أن الناس يحرفون الكتب السماوية وهم يعلمون. وقد ثنيت بالشرط الثاني، لأن تحريف أيّ كتاب هو فعل شنيع وتجاسر فظيع ارتكبه الفاعل. وكل فعل شنيع هو جرم وذنب. ولا بد أن يكون الجرم مرتكباً عمداً ومفعولاً قصداً. ثم ختمت بالشرط الثالث، وهو أن التحريف يقوم في إفساد معنى النص الحقيقي، لأن هذا هو أصل كلمة تحريف - أعني إمالة الشيء عن حقه، فإن لم تحصل الإمالة لم يحصل التحريف».

ثم قال الرازي: واعلم أنه يمكن تبديل وتحريف الكتب المقدسة بطرق شتى منها:

  1. زيادة كلمات أو عبارات لم تكن في النص الأصلي.

  2. حذف كلمات أو عبارات كانت في الأصل.

  3. تبديل الكلمات أو العبارات وتعويضها بما ينافيها لفظاً ومعنى.

  4. تغيير بعض الألفاظ عند إلقائها على السامعين كي لا يستفيدوا ولا يعرفوا الحق المبين.

  5. الضرب صفحاً عن بعض النصوص في القراءة.

  6. تعليم العامة تعليماً مبايناً لتعليم الله في كتابه، وخداعهم بأن هذا التعليم المحرَّف هو المستفاد منه.

  7. تأويل بعض كلمات مجازية تأويلاً كاذباً ومغايراً للمعنى المقصود.

  8. تفسير بعض الآيات الغامضة المعنى تفسيراً محرَّفاً.

وقد زاد البعض على ذلك طريقة أخرى، وهي تأليف كتب كاذبة وادّعاء مؤلفيها أنها موحاة من لدن العلي الأعلى، ولكن هذا الفعل ليس من باب التحريف في شيء، لأن التحريف هو تغيير كلام الله أو إمالته عن حقه. فالنتيجة أن إذاعة كتب كاذبة، والادعاء بأنها موحى بها من الله، ليس من باب التحريف بل من باب الكذب.

ثم أن أنواع التحريف الثمانية المذكورة تنقسم قسمين: ظاهر ومقدَّر. فالتحريف الظاهر هو الثلاثة المذكورة أولاً. والتحريف المقدر هو الخمسة الأخيرة.

ويحق لنا هنا أن نسأل: هل هذا التحريف المزعوم لفظي أو تقديري؟ فإن كان تحريفاً لفظياً فهل حدث يا ترى بمعرفة وقصد؟ أم وقع سهواً وبدون معرفة؟ وإن كان لفظياً وبمعرفة وقصد. فليقولوا لنا في أيّ قسم من قسمي الكتاب وقع؟ هل أصاب العهد القديم (التوراة) أم وقع في العهد الجديد (الإنجيل)؟

إن قالوا: إنه قد وقع في التوراة فليقولوا: من الذي فعله؟ وهل الفاعل من اليهود أم من النصارى؟ وإن كان قد وقع من اليهود، فهل حدث قبل المسيح ورسله أم بعدهم؟

إن قالوا إنه وقع قبلهم فهذا قول مردود، لأن المسيح حثَّ اليهود على تفتيش التوراة، ووبَّخ الصدوقيين على عدم معرفتها قائلاً لهم: «فَتِّشُوا ٱلْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ ٱلَّتِي تَشْهَدُ لِي» (يوحنا 5: 39). كما قال: «تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ ٱلْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ ٱللَّهِ» (متّى 22: 29). كما أن المسيح ورسله اقتبسوا عدة اقتباسات وشواهد من التوراة لا تخالف النصوص التي كانت بأيدي اليهود إذ ذاك ولا تزال بأيديهم إلى اليوم. وليس من المعقول أن يستشهد المسيح «كلمة الله وروحه» بآيات محرَّفة. وليس من المعقول أيضاً أن يستند تلاميذه وهم «الحواريون أنصار الله» على كتب تحرفت، ويثبتون تعاليمهم من نصوصها.

فإن قالوا إنّ التحريف قد وقع بعد المسيح ورسله فإن هذا أيضاً زعم باطل، لأن التوراة من زمن المسيح إلى اليوم موجودة لدى المسيحيين كما هي موجودة لدى اليهود، فلن يتجاسر اليهود على تحريفها وهم يعلمون بوجودها بين أيدي النصارى، مخافة إقامة الحجة عليهم.

وإن قالوا إنّ التحريف قد وقع من النصارى، فإنهم أيضاً يخشون ذلك كما يخشى اليهود، لأنهم لا يستطيعون تحريفاً مع علمهم بوجودها لدى خصومهم اليهود، الذين لا يمكنهم السكوت على هذا العمل الشائن المعيب. والتوراة لا زالت باقية لدى الطرفين إلى الآن بذات اللغة العبرية التي كُتبت بها. ولقد صارت مقارنة ما بيد اليهود بما بيد النصارى، فوُجدت النسختان في غاية الاتفاق. وعلى المعترض أن يمتحن الأمر بنفسه، فإذا وجد زيادة أو نقصاً أو تبديلاً في أحدهما، فيحق له إذ ذاك الاعتراض. ولكن إن وجد النسختين متفقتين كما وجدهما غيره فماذا يكون حكمه؟ هل يا ترى يقول إن النصارى واليهود اتفقوا على تحريفها سوياً؟

إنّ هذا كما قلنا غير معقول، لأنه لا يُعقل أن يتفق اليهود وهم منكرو المسيح مع النصارى على تحريف التوراة، وخاصة في تلك الأقوال الواردة فيها التي توضح لاهوت المسيح وناسوته المذكورة في مواضع عدة من العهد القديم. فهل ينتظر أن يتفق اليهود والنصارى على إضافة النبوّات الخاصة بلاهوت المسيح وصلبه ودفنه وقيامته، مع أنهم يعارضون المسيح في تصريحه بلاهوته، ويضطهدون رسله لأنهم كانوا يكرزون بأنه ابن الله الحي؟

أضف إلى ما ذكرنا أنه في عصر الحواريين، وبعده بقليل، كتب كثير من العلماء الأتقياء، وآباء الكنيسة مثل: أكليمندس الروماني، وأغناطيوس ويوستينوس الشهيد وأكليمندس الاسكندري وإيريناوس الذين ألَّفوا كتبهم في القرنين الأول والثاني للمسيح، وكأوريجانس وكبريانوس وأوسابيوس وأمبرسيوس ويوحنا فم الذهب وباسيليوس وأغسطينوس الذين كتبوا كتبهم في القرنين الثالث والرابع، ومؤلفاتهم لا تزال موجودة لدى الطوائف المسيحية إلى الآن مفعمة بالاقتباسات من آيات الكتاب المقدس بعهديه: القديم والجديد، فإذا قارنّا ما كتبه الأولون مع ما لدى النصارى اليوم لما وجدنا فرقاً. فوجود الاتفاق الكلي بين اقتباسات هؤلاء العلماء المختلفة من التوراة والإنجيل اللذين كانا بأيديهم في أزمانهم البعيدة، قبل ظهور الإسلام، وبين النصوص ذاتها في الكتب المتداولة اليوم دليل ساطع على عدم وقوع أيّ تحريف في كتب الله المقدسة.

السبب الثاني: فكرة المسلمين عن الوحي والإنجيل:

أما السبب الثاني فيرجع إلى نظريتهم فيما يتعلق بالوحي الإلهي والإنجيل، تلك النظرية التي تقول إن الكتب الإلهية يوحيها الله «لفظاً ومعنى» وإنها كائنة منذ الأزل، مدوّنة في «لوح محفوظ» وإن الإنجيل كتاب سماوي أُوحي إلى المسيح من السماء.

1 - نظرية الوحي:

يؤمن معظم علماء المسلمين أن الله هو نفسه الذي كتب الكتب الإلهية التي أوحاها إلى أنبيائه ورسله الكرام، ويعتقدون أنه منذ الأزل أمر «القلم» فخطّ في «اللوح المحفوظ» نص العبارات والجمل التي أُوحيت إلى الأنبياء والرسل. ثم أنه اختار أناساً، سبق فعيّنهم ليكونوا رسله في تبليغ الأسفار المقدسة للبشر.

وبناء على هذه المعتقدات نراهم يقولون إن كل كلمة، وكل حرف، أُوحي من السماء، وبُلِّغ بواسطتهم إلى العالم بطريقة آلية «ميكانيكية».

فالنظر إلى الوحي الإلهي، من الناحية الإسلامية العامة، يخالف النظر إليه من الناحية المسيحية. فنحن المسيحيين (نؤمن كما يؤمن معنا أعلام فلاسفة المسلمين وحكمائهم كابن سينا وابن رشد والفارابي وغيرهم) أن ليس عند الله لغات ولا حروف، فليس عنده إذاً إنزال «آلي». فالاعتقاد المسيحي عن الوحي هو «تَكَلَّمَ أُنَاسُ ٱللَّهِ ٱلْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (2 بطرس 1: 21).

فمعنى الوحي عندنا هو إظهار حقائق غير ممكن لنا معرفتها بقوانا الطبيعية: كسرّ الثالوث الأقدس والتجسّد. وأما ما يمكن للعقل أن يصل إليه، ولكن تحت خطر الضلال، فيُسمّى إلهاماً. والوحي والإلهام أمر واحد بالنسبة لله تعالى، وأمران متميّزان بالنسبة للعقل البشري. وهما لا يعنيان أن الله لقّن الكتبة الذين كتبوا الأسفار المقدسة ما سطروه حرفاً حرفاً من تعاليم وتواريخ، بل إنّه حرّكهم للكتابة، وأنار عقولهم بالمعرفة، وحفظهم من الزلل. وليس في هذه الدرجات الثلاث ما يستحيل على الله تعالى، أو ينافي شيئاً من صفاته، كما أنّه ليس فيها ما ينزع عن الإنسان حريته ونبوغه الذاتي.

فإذا قلنا إنّ الأسفار المقدسة في العهدين القديم والجديد هي كلام الله، أو أسفار إلهية موحى بها من الله، أو منزلة من عند الله، لا نريد بذلك أنّ الله أنزلها آية آية، وكلمة كلمة، وحرفاً حرفاً، فكتبها الكاتب كما سمعها من فم الله أو ملائكته بحروفها الأصلية. لكننا نريد أنّ الله عز وجل إذا قصد بسمو لطفه وحكمته أن يُبلغ البشر شيئاً من أسراره حرّك باطنياً كاتباً يختاره فيبعثه على كتابة السفر المقصود، ثم يمده بتأييده الخاص ونعمته الممتازة، ويلهمه اختيار الحوادث والظروف والأعمال والأقوال التي شاء سبحانه كتابتها لفائدة عباده، وكان له رقيباً ومرشداً، وعصمه من الخطأ في نقلها وتسطيرها، فلا ينقل إلا ما ألهمه الله إيّاه، فيكون الرسول إذ ذاك ككاتب مطيع، في حوزة الكاتب الأسمى، وطوع إرادته.

وربما كانت بعض الحوادث والظروف مجهولة من الكاتب، فلا يصل إليها إلا إذا أوحاها الله إليه مباشرة، أو تكون معلومة لديه، أو مما يستطيع معرفته: باستطلاع الأخبار، وسؤال الشهود، والتنقيب والاستقراء، فلا حاجة عندئذ إلى تنزيلها عليه لعدم فائدة ذلك، إنما يلهمه الله كتابتها ويصونه في إيرادها عن الضلال، وهذا كافٍ لأن يُعزَى الكتاب إلى الله، فيُقال: كتاب الله، والكتاب الموحى به من الله، لأن الله هو المؤلف السامي له باختياره مواضيعه ومعانيه، وإلهام ناقليها، وتحريكهم على كتابتها بالنوع الذي أراده، وعصمته إيّاهم عن الخطأ في غضون تسطيرها من أولها إلى ختامها.

وعمل الله هذا لا يبطل صفات الكاتب الطبيعية: من ذكاء وأهلية، ومعارف لغوية، وفصاحة بديهية، ولا يخلقها فيه إذا كان ممن لم يحظ بها، لأن الله يختار من يشاء، وليس هو بحاجة إلى النُّحاة والبُلغاء ليلقي إليهم وحيه، ومن ثم لا يستلزم وحي الكتب المقدسة تنزيل الألفاظ، وتنسيق التراكيب، لكن يقتصر فيه عادة على الحكم والمعاني، فينقلها هذا في قالب مفهوم، وعبارة صحيحة واضحة، وذاك في تركيب لا يقصد به إلا إلى إيصال المعاني تامة إلى الأذهان، ولا يختلف المعنى في كلا النقلين. فشتان مثلاً بين فصاحة الشاعر البليغ كالنبي إشعياء، وبين أسلوب النبي عاموس، وكلاهما نبي ينقل آيات الله. كما أننا لا ننكر ما يمتاز به إنشاء الطبيب الأديب لوقا الإنجيلي من رقة التعبير، وانسجام العبارة اليونانية، عن إنشاء غيره من كتبة العهد الجديد، الذين ألّفوا مثله باليونانية، ولكنهم يفكرون بلغة صباهم، فيُلبسون الصورة العبرانية ثوباً أجنبياً، يستشفّها القارئ من ورائه.

ولا عجب في ذلك، فإن الله إذا أوحى لنا كلامه يريد جوهر الدين ولب الآداب، ويقصد خلاص النفوس، لا قشور الحقائق وأعراضها.

فنظرة عامة المسلمين إلى الوحي الإلهي تدفعهم إلى أن يظنوا بالكتاب المقدس الظنون، وتجعلهم يعتقدون في تنزيله اعتقادهم في تنزيل القرآن من أنه رسالة أُوحيت من السماء إلى السيد المسيح، ولهذا فهم يقولون إنه لا موجب لوجود أربعة أناجيل تُنسب إلى المسيح، لا سيما وأنّ القرآن لم يذكر إلا إنجيلاً واحداً، زاعمين أنّ الإنجيل الذي بين أيدينا باعتباره أربع بشائر مختلف في بعض النصوص اختلافاً يجعل أمر تصديقها، والإيمان بعدم تحريفها متعذراً، ذاكرين في هذا الصدد ما كتبه البشيران متى ولوقا عن نسب المسيح، وما بين جدوليهما من اختلاف. مع أن المسلّم به عند الجميع أنّ المسيح وُلد من عذراء لم يمسسها بشر. ونحن لا نريد أن نترك هذا البحث دون بيان.

2 - الأناجيل الأربعة:

الإنجيل (افنجليون) كلمة يونانية، معناها بشارة مفرحة، أو خبر سار، سمَّى بها المخلص بشارته الخلاصية، لأنها الحقيقة المفرحة التي طالما تاق الآباء إلى معرفتها، وأصبحت مرادفة تارة لتعليمه، وتارة لسيرته. وعن المخلص أخذها الرسل والإنجيليون، فقد كررها بولس وحده 58 مرة في رسائله، وردّدها مراراً الإنجيليون الأربعة، وغيرهم من كَتَبة العهد الجديد. وقد تأتي مضافة إلى الله، كما دعا بولس ذاته الرسول: «ٱلْمُفْرَزُ لإِنْجِيلِ ٱللَّهِ، ٱلَّذِي سَبَقَ فَوَعَدَ بِهِ بِأَنْبِيَائِهِ فِي ٱلْكُتُبِ ٱلْمُقَدَّسَةِ، عَنِ ٱبْنِهِ» (رومية 1: 1 - 3)، ويعني بكلمة إنجيل هنا البشارة بالخلاص الموعود به في الأنبياء. وتأتي مضافة إلى المسيح (رومية 15: 19 و2كورنثوس 2: 12 الخ) ويراد بها البُشرى التي أفرحنا بها المخلص بخلاصنا، أو ملخص تعليمه وأعماله. قال الرب «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهٰذَا ٱلإِنْجِيلِ فِي كُلِّ ٱلْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضاً بِمَا فَعَلَتْهُ هٰذِهِ تَذْكَاراً لَهَا» (متى 26: 13). وقال القديس بولس عن قوم «لَيْسَ ٱلْجَمِيعُ قَدْ أَطَاعُوا ٱلإِنْجِيلَ» (رومية 10: 16). ودُعي أيضاً «... بِشَارَةِ ٱلْمَلَكُوتِ» (متى 24: 14) و «... إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ» (أفسس 1: 13) و «... إِنْجِيلِ ٱلسَّلاَمِ» (أفسس 6: 15) و «... إِنْجِيلِ مَجْدِ ٱللَّهِ ٱلْمُبَارَكِ» (1 تيموثاوس 1: 11) و «... إِنْجِيلِ مَجْدِ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي هُوَ صُورَةُ ٱللَّهِ» (2 كورنثوس 4: 4).

وقال بولس الرسول «يَدِينُ ٱللَّهُ سَرَائِرَ ٱلنَّاسِ حَسَبَ إِنْجِيلِي بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (رومية 2: 16). أي بشارتي بتعليم المسيح، ونقلي لهذا التعليم. وقال أيضاً «إنه أؤتمن على إنجيل الغرلة كما بطرس على إنجيل الختان» (غلاطية 2: 7) أي البشارة للأمم كما بشّر بطرس لأهل الختان (اليهود) ومن هذا كله نرى أن مرجع المعنى واحد وهو البشرى، وإنْ تميّز بالإضافة.

ولم يلبث أن انتقل اللفظ من المعنى المضمون إلى معنى المتضمَّن، أي من معنى البشرى والتعليم الخلاصي إلى الكتاب الحاوي لتلك البشرى وذلك التعليم، فنرى في كتبة أواخر القرن الأول وأوائل الثاني كلمة إنجيل تعني سفراً أو كتاباً يتضمن تعليم المسيح وأعماله، وقد وردت عن ذلك تصريحات كثيرة في الكتب التي وُضعت في القرون الأولى للمسيحية، وهكذا فهِمَ القديسون يوستينوس وإيريناوس وأكليمندس وغيرهم من الآباء الأولين.

والآن عندما يقول المسيحيون كلمة «إنجيل» هم يقصدون بها: ترجمة حياة السيد المسيح كما كتبها كلٌّ من متّى ومرقس ولوقا ويوحنا، كلٌّ بمفرده... أو عن ما كتبه هؤلاء الأربعة جملة واحدة... أو عن كل أسفار العهد الجديد، أي ما كُتب بعد ميلاد المسيح.

وربما استُعملت كلمة «إنجيل» إشارة إلى بشارة الملائكة عند مولد المسيح، حيث قيل بلسان ملاك منهم «هَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ ٱلشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱلرَّبُّ» (لوقا 2: 10، 11).

فليس الإنجيل - كما يعتقد المسلمون - كتاباً أُوحي إلى المسيح من السماء، وإنما هو رسالة أعدَّها المسيح للعالم ووعظ بها وأنذر بها بفمه الطاهر: «وَبَعْدَ مَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى ٱلْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ ٱللَّهِ» (مرقس 1: 14). فالمسيح لم يأخذ هذه الرسالة مكتوبة، كما أنّه لم يكتبها، وإنما علّمها شفوياً لتلاميذ مختارين، ثم أرسلهم إلى جهات مختلفة ليبشروا بها هم أيضاً، وليعلّموا آخرين غيرهم. ولذلك عُدُّوا رسلاً. وقد وعدهم المسيح، قبل صعوده أنه لن يتركهم كاليتامى، وإنما سيرسل لهم الروح القدس ليعلّمهم كل شيء. ويذكّرهم بما قاله لهم. وقد تمّ هذا الوعد بحلول الروح القدس عليهم يوم الخمسين، فأخذوا منذ ذلك اليوم يبشرون الجميع بالإنجيل.

وكان من الضروري على التلاميذ الحواريين في تبشيرهم أن يعلّموا عن المسيح حسبما يلائم عادات ولغات العالم، فكانت الرسالة في مادتها من حيث أنّها بشارة المسيح، بشارة الخلاص - واحدة، وإن تنوعت مظاهرها. فكتب البشيرون الأربعة البشائر الأربع في أزمان قريبة، وقد نحا كلٌّ منهم في كتابته منحى خاصاً. فليس إذاً وجود أربع بشائر يعني وجود أربعة أناجيل، كما ظن المسلمون، بل هو إنجيل واحد ذو مناظر أربعة، كتبه البشيرون متّى ومرقس ولوقا ويوحنا بوحي الروح القدس لتكون الشهادة قوية متينة.

فمتّى وهو اليهودي كتب بشارته لليهود أهل الدين المُنزل، فتكلم عن المسيح كملك إسرائيل الموعود الذي تمّت فيه نبوّات وإشارات ورموز العهد القديم. ولذلك أكثر من الاستشهاد بما جاء في العهد القديم من النبوّات عن المسيح، فيذكر أنّ المسيح ابن داود، ويرجع بأصله إلى صُلب إبراهيم أبي الآباء عند اليهود. ويتخطى في نسب المسيح ذكر مريم، ويذكر هالي الذي هو جد المسيح حسب الجسد، لأن العادات اليهودية القديمة كانت تقف حائلاً دون ذكر انتساب الإنسان إلى أمه.

ومرقس كتب بعد متّى فخصّ الشعب الروماني الوثني صاحب السيادة، فأهمل أصل يسوع تماماً، وابتدأ بخدمته، وتكلم عنه كعظيم حاز كمال الحياة، وأوقف نفسه على فعل الخير دائماً وكرّسها لإنقاذ الإنسان.

ولوقا كتب بعدهما، للمتديّنين والمتعلّمين والمفكرين، وخصّ بشارته بأهل العلم من اليونان كما يُرى من مقدمة بشارته، فتتبع نسب يسوع إلى آدم أبي البشرية جمعاء، وتكلم عن المسيح وكهنوته الكامل، وعن شفاعته، وقدّمه للعالم باعتباره الإنسان القدوس دون سواه. يقول رينان - ألدّ أعداء المسيحيّة - عن بشارة لوقا «إنها أجمل كتاب في سجل اللغات» ولا عجب، فقد كان لوقا طبيباً رومانياً، رجل علم وعمل. مدققاً محققاً. ومهنته وحدها تلقي نوراً ساطعاً على حياته، لأن الرومان كانوا لا يسمحون لأحد منهم بمزاولة الطب إلا إذا جاز امتحانات عدة على جانب عظيم من الصعوبة والخطورة.

أما يوحنا فقد كتب بشارته بعد زملائه الثلاثة بعشرين أو ثلاثين سنة، وكان اليقين بتجسّد المسيح قد رسخ في أفكار المؤمنين، وزال الخوف من أن يتزعزع. فخصّ في كتابته المتأخرة أهل الإيمان إجمالاً على اختلاف جنسياتهم وصفاتهم السابقة. ولأنه كتب لهؤلاء جميعاً لم يكتب بما سبق وكتبه زملاؤه، بل قصد أن يحقق لهم في بشارته أصل المسيح ليس فقط قبل إبراهيم، أو قبل آدم، بل منذ أعماق البدء، فتراه يذكر في بشارته كلمة من أفخم أقوال الإنجيل وأشهرها، ولها وقْع عظيم في نفس كل مؤمن، ففيه يذكرنا ببدء الخليقة وبفاتحة الوحي في العهد القديم: «في البدء خلق الله السماوات والأرض» فيصّور لنا بدء البدء بقوله: «فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ، وَٱلْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ ٱللَّهِ، وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللَّهَ. هٰذَا كَانَ فِي ٱلْبَدْءِ عِنْدَ ٱللَّهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ» (يوحنا 1: 1 - 3).

فجميع ما كتبه البشيرون الأربعة: متّى ومرقس ولوقا ويوحنا، رسالة واحدة هي الإنجيل الذي قدمه المسيح وبشَّر به، وأعاده الروح القدس إلى أذهان هؤلاء البشيرين. وكل كاتب منهم يمثل بوحي الله تعليم الإنجيل المعطى شفوياً من المسيح تمثيلاً صادقاً، وكل بشارة منها تؤدي رسالة خاصة مكملة للأخرى.

فالمسيح واحد لا أربعة. والإنجيل واحد لا أربعة. ولتوضيح هذا نأتي بمثل تقريبي:

هب أن أربعة أجانب زاروا القطر المصري. أولهم ضابط، وثانيهم إمام مسلم وثالثهم فنان، ورابعهم كاهن مسيحي، ثم عادوا بعد زيارتهم إلى بلادهم، وابتدأ كل واحد منهم يكتب عن القطر المصري كما رآه.

فكما أن هؤلاء الزائرين الأربعة لم يصفوا (فيما كتبوا) أربع بلاد بل تكلموا عن بلد واحد، ولم يكونوا كاذبين، بل كان كل واحد منهم صادقاً فيما عبّر وكتب، فكذلك البشيرون الأربعة لم يكتبوا إلا عن مسيح واحد، وإنما اختلف لون منظار كل منهم، ووجهة نظره، فكانت البشائر الأربع. والإنجيل هو كل هذه البشائر المستقلة، وما تبعها من رسائل لزيادة الإيضاح والبيان.

3 - جدول نسب المسيح:

أما ما يراه بعضهم من الخلاف بين جدولي نسب المسيح في متّى ولوقا فأمر سهل الفهم، لو تمعّنوا فيه قليلاً. فالجدولان يتفقان في أن يوسف - رجل مريم أم يسوع - هو الحلقة الأخيرة فيهما، ويتفقان في حلقات النسب بين إبراهيم وداود، وفي اسمي شألتئيل وزربابل في وقت السبي، ولكنهما يختلفان في أنّ متّى يقدم لنا أسماء الأجيال إلى إبراهيم، بينما لوقا يمدّها إلى آدم. ويختلفان في أنّ متّى يتبع في كتابته سلسلة سليمان بن داود، بينما يتبع لوقا سلسلة ناثان بن داود. ويختلفان في أنّ متّى يجعل يوسف رجل مريم ابن يعقوب، وفقاً للشرع الأصلي، بينما لوقا يجعله ابن هالي وفقاً للشرع الاصطلاحي.

فإذاً، ما يظهر بين الجدولين من تناقض وخلاف، هو خلاف سطحي لا يمس الجوهر في قليل أو كثير. ولو كان هذا الخلاف جوهرياً لكان أعداء المسيحية من اليهود في عصر الرسل احتجوا على هذين الجدولين، لأن الوسائط كانت ميسرة لديهم أكثر من أي قوم آخرين ودون أيّ عصر آخر. فسكوتهم دليل على صحة ما جاء في الجدولين، ودليل على أنّ هذه النسبة كانت مفهومة ومقبولة وصحيحة.

بل إن هذا الخلاف الظاهري ينمّ عن اتفاق جوهري غير مقصود. وكل الفرق بين السلسلتين ناتج من كون متّى البشير سجل لنا نسب السيد المسيح من جانب يوسف رجل مريم، ولوقا سجل لنا نسبه من ناحية أمه العذراء القديسة مريم.

وقد أفرد التلمود اليهودي وهو عند اليهود كالحديث عند المسلمين على كرهٍ منه إحدى صفحاته للعذراء، ومما جاء في تلك الصفحة أن مريم هي ابنة هالي، وهذه الحقيقة تتجلى واضحة لمن يطالع الإنجيل اليوناني الذي كُتبت به السلسلة النسبية في لوقا حيث يقرأ: «يسوع .. على ما كان يُظنّ ابن يوسف، وهو بالحقيقة ابن هالي». وكلمة «ابن» في التعبير العبري ليست قاصرة على الابن المباشر، بل تتناول أيضاً الحفيد أو المتناسل أباً عن جد.

وهذا التناقض السطحي الذي يتمسك به أعداء المسيحية هو حجة لنا لا علينا في إثبات صحة الكتاب المقدس، لأنه لو أراد المسيحيون تغييره لكان عليهم أن يغيروا اسم يوسف ويبدلوه باسم مريم في السلسلة النسبية المذكورة في لوقا، ولكن عدم إقدامهم على تغيير شيء يدل على أن فهم هذه الحقيقة لم يكن من الأمور العسيرة على المسيحيين الأولين الذين عرفوا جميع الظروف والأحوال. كما يدل على أن المسيحيين المتأخرين يحترمون الكلمة المكتوبة ويقدسونها، فمن المستحيل أن تمتد إليها أيدي العبث والتبديل، لتغيّر أو لتزيل ما بها من معضلات، وقد ذُكر يوسف طبقاً لأحكام الشريعة اليهودية، التي تفرض على كل إنسان أن يكون له أب شرعي أو أب بالتبنّي، فكان يوسف من هذه الناحية الشرعية محسوباً في حكم الأب.

وذلك مَثل لما يظهر لأول وهلة من تناقض بين البشائر الأربع، وكلها كهذا لا تستند على أساس، بل إنها تنهار سريعاً أمام التمعّن والدرس.

السبب الثالث: الصلب في الكتاب المقدس

أما عن السبب الثالث (وهو ذكر حوادث الصلب والدفن والقيامة ضمن نصوص الكتاب المقدس) فأية غاية للنصارى منه؟ هل يرى النصارى في انتسابهم إلى مصلوب مُهان، هو رمز الذل والعار، شرفاً لهم، وهم بشر امتلأت نفوسهم حباً في الانتساب إلى الشرف العالي الرفيع، حتى يصلبوا ربهم ويدفنوه ثم يقيمونه، لينالوا هذا الشرف؟

أيّ عقل هذا الذي يعقل تلك الدعوى الجريئة؟

على أن النصارى لو أرادوا الشرف حقيقة لأتوه من الباب الذي ينكر الصلب وما فيه من مذلة ومهانة وخزي وعار، ولحذفوا حوادثه من كتابهم وتخلصوا من خطة الإنتساب إلى مخلص مهان مصلوب. أما والأمر على العكس من ذلك، وأصبح الصليب موضع فخر المسيحيين جميعاً، وفيهم كل كريم العرق، حتى إنّ بولس الرسول يقول: «حَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (غلاطية 6: 14). ومع أنه كان حائزاً لكل موجبات الشرف العالمي والكرامة الدنيوية من علم وأصل وجاه وشدة وبأس، ولكنه يطوي كل هذا ويقول: «لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئاً بَيْنَكُمْ إِلاَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوباً» (1 كورنثوس 2: 2). فيستحيل على العاقل أن يصدق القول بتحريف الكتاب المقدس لهذا السبب، بل إن في ذكر الكتاب حوادث الصلب والدفن والقيامة دليل ساطع وبرهان قاطع على صحته وسلامته من التحريف والحذف والزيادة، لأنه إذا كان الكتاب قد تحرّف حقيقة قبل الإسلام، فليس من المعقول كما ذكرنا أن يحرفه أهله ليذكروا فيه ما يعتبره الناس داعياً إلى خزيهم وعارهم واحتقارهم. وإن كان قد تحرّف بعد الإسلام، فإن في ذكر القرآن حوادث الصلب وهي جوهر المسيحية دليلاً على وجودها قبله كوجودها بعده.

ونكتفي بهذا الآن. أما الكلام عن حقيقة الصلب والفداء فسيجيء عند الكلام عن الكفارة في الباب الخامس، مؤيَّداً بأقوال القرآن وتصريحات الإسلام.

السبب الرابع: إسم محمد

أما السبب الرابع لإقامة دعوى التحريف، وهو ما يذهب إليه عامة المسلمين من أن اليهود والنصارى قد حرّفوا الكتاب بحذف اسم محمد منه، فهو سبب ضعيف كسابقيه، لا ينهض بجانبه برهان ولا يقوم عليه دليل، لأنه إذا كان اسم محمد قد ذُكر في الكتاب المقدس وحُذف مثلاً من التوراة، لظل الإنجيل شاهداً على هذا التحريف. وليس من المعقول أن يكون اسمه قد ذُكر في كليهما وحُذف منهما سوياً، لأنه لا يُحتمل أن تتواطأ أُمّتان مختلفتان على هذا الحذف، مع ما بينهما من جفوة ونفور.

إذا استطعنا أن نلغي عقولنا ونصدق أن اسم محمد قد ورد في الإنجيل ثم حذفه النصارى منه وحرّفوا كتابهم لهذا الغرض، فإننا لا نستطيع أن نخلق لنا عقولاً جديدة تعقل أن اليهود قد حذفوه من التوراة أيضاً. فاليهود لما أرادوا مقاومة المسيح لم يحذفوا اسمه من الكتاب، ولم يغيّروا النبوّات التي وردت عنه فيه، بل أنكروا فقط حقيقة رسالته، وشكّوا في أن يكون هو المسيا المنتظر المتنبَّأ عنه.

الخلاصة:

من كل ما سبق نقول إنّ تحريف الكتاب المقدس بمعرفة وقصد، أمر غير ممكن، بل ومستحيل. وإنه لم يقع شيء من هذا قبل الإسلام ولا بعده. وتوجد إلى اليوم نسخ من الكتاب المقدس من قبل ظهور الإسلام وبعده، لا تختلف عن المتداولة اليوم اختلافاً ما. ومن هذه النسخ العديدة نسخة المسماة الفاتيكانية لوجودها بقصر الفاتيكان بروما وترجع إلى ما قبل الهجرة بمائتين وخمسين سنة. والنسخة السينائية التي عُثر عليها في طور سيناء، وهي تشمل التوراة والإنجيل وترجع إلى ما قبل الهجرة بمائتي سنة. والنسخة الاسكندرية التي توجد الآن في المتحف البريطاني بلندن، وترجع إلى ما قبل الهجرة أيضاً بمائتي سنة، والنسخة الإفرامية، وقد كُتبت في القرن الخامس للمسيح. وكل هذه النسخ مكتوبة في رقوق من الجلد أو غيره مما لا يُستعمل الآن. وقد قارنها الباحثون ببعضها وبالكتب التي ظهرت بعد الإسلام، والتي يتداولها اليوم اليهود والنصارى على السواء، فوجدوها لا تختلف البتة في عقيدة من العقائد، أو واجب من الواجبات. وفي كل هذا برهان قاطع على بطلان دعوى التحريف.

الكتاب صحيح تاريخياً:

فالكتاب لم يلحقه تحريف قط. ولنطّلع على شهادة المؤلفين الأوّلين من المسيحيين وغير المسيحيين، فإن لكتاباتهم أهمية عظمى، إذ يشهدون بصحة الوقائع التي ذُكرت في الإنجيل في مدة الثلاثة القرون الأولى. وقد تواترت هذه الحوادث تواتراً عظيماً بواسطة هؤلاء الكتّاب، مما جعل من اليسير الهيّن على كل باحث أن يتناولها من مؤلفاتهم ويقارن بينها وبين المواضع التي ذُكرت فيها حسب نص الإنجيل.

ولا شك في أن شهادة المؤلفين الوثنيين تفوق في أهميتها شهادة المؤلفين الآخرين، لأنهم اعترفوا بكل حقائق الإنجيل وحوادثه دون قصد لأنهم خالون من الأغراض لعدم إيمانهم بأيّ دين إلهي، أو تحبيذهم لأيّ كتاب سماوي، وإنما ذكروا أخبار الإنجيل كمجرد وقائع، فشهدوا له وهم لا يعلمون. ومن هنا كان على كل من ينكر مثلاً صلب المسيح وقيامته وصعوده أن يكذّب قبل كل شيء تاريخ سيتونيوس وتقويم تاسيتوس ومطابقات بلني، فإذا فعل ذلك فإنه يصبح غير مُكذِّب للإنجيل فقط، بل ولهؤلاء العلماء الوثنيين أيضاً الذين دفعهم تدقيقهم على تقرير الحقائق التاريخية الواضحة مع عدائهم الخاص للمسيحيين أن يشهدوا لصحة الوقائع التي رواها الإنجيل، فجاءت شهادتهم طبيعية غير ملفَّقة.

أضف إلى هذا أن الإنجيل نفسه قد حوى تاريخاً وتراجم وصفات مختلفة، وكلها ذُكرت دون أن يكون للبشيرين قصد رئيسي في ذكرها. ففي الإنجيل نجد ذكر الأباطرة الرومانيين كأوغسطس وطيباريوس وكلوديوس، كما نجد فيه أيضاً ذكر الحكام الرومانيين كبيلاطس البنطي وكيرينيوس وفيلكس وفستوس وسرجيوس بولس وغاليون، كذلك نجد فيه ذكر ملوك اليهود كهيرودس الكبير وأرخيلاوس وأنتيباس وأغريباس. فذِكْر هؤلاء جميعاً في الإنجيل ووصفهم بما لا يقل عما وصفهم به المؤرخون الوثنيون واليهود من الدقة يدل دلالة واضحة على صحة الكتاب، لأن التاريخ المعتبر والمسلّم به ذكر كل هؤلاء الأشخاص وأجمع على وجودهم في ذات الزمان المعيّن في الإنجيل.

وزيادة على هذا فقد ذكر الإنجيل أماكن مختلفة مثل أنطاكية وإيقونية وتسالونيكي وقبرص وفيلبي وكورنثوس وروما وإسكندرية وغيرها من المدن المتفرقة حينئذ، وذكر مراكز الشيوخ والمقاطعات الملكية للنواب الرومانيين والسياسيين اليونانيين والوثنيين والأسيويين، وذكر جنود الحرس الامبراطوري وأعضاء البلاط القيصري، وذكر الآلهة المشهورة مثل أرطاميس، وذكر وظائف يونانية كثيرة لم توجد إلا في تلك الأيام. كل هذا يؤيده يوسيفوس اليهودي وتاسيتوس وسيتونيوس، كما تؤيده جميع الاكتشافات الحديثة في فلسطين وتركيا وقبرص واليونان وروما.

وكل هذا يشهد شهادات ناطقة بصحة الإنجيل وحوادثه تاريخياً وعلمياً.

الفصل الثالث: الكتاب المقدس لم يُنسَخ

النَّسْخ لغةً الإزالة والنقل، فيُقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته. ونسخ الكتاب أي نقله عن كتاب آخر حرفاً بحرف. واصطلاحاً رفع الحكم بعد ثبوته. وقد قال المسلمون بجوازه، وأنكره اليهود، ولهذا فإننا نرى عامة المسلمين يقولون: إنه على افتراض أن الكتاب المقدس لم يعتره تحريف، وأنه لا يزال صحيحاً حافظاً لقداسة وحيه، فإنه نُسخ بالقرآن.

وهذا ولا شك قول لا يسنده دليل ولا يقوم على إثباته برهان.

فالكلام في الأسفار الإلهية نوعان: إخباري وإنشائي. والإنشائي نوعان أيضاً: عقلي ووضعي. فالنسخ لا يصح وقوعه في الإخباري لأنه يستلزم تكذيب رواية مطابقة للواقع. ولا يمكن وقوعه في الإنشائي العقلي، لأنه يستدعي نقض المبادئ الطبيعية التي لا تقبل التغيير كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما الإنشائي الوضعي فالنسخ جائز فيه لإمكان تغيير الفرض بتغيُّر أحوال الزمان والمكان والأشخاص، كالأمر بإقامة الشعائر الدينية في أماكن معيّنة، والنهي عن بعض الأطعمة في أزمنة معلومة. ومن هذا القبيل كان نسخ العهد القديم بالعهد الجديد، فإن هذا النسخ لم ينف أمراً واقعاً، ولا نقض مبدأ طبيعياً، كما قال المسيح: «ما جئت لأنقض بل لأكمل».

والعمدة في النسخ عند المسلمين هو النقل الصحيح والتاريخ الصادق لا الرأي والاجتهاد. ولهذا فلسنا ندري على أي سند يستندون في دعواهم بنسخ الكتاب المقدس بالقرآن، مع أن القرآن والأحاديث خالية من الإشارة إلى هذا. صحيح أن القرآن قد ذكر نسخاً، ولكنه نسخ آياته بعضها البعض، لا نسخه هو للكتاب المقدس. فهم مثلاً يقولون إن آية: «إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ» (سورة المائدة 5: 69). منسوخة بآية: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ» (سورة آل عمران 3: 85). ولو صحَّ أن المائدة 69 منسوخة بآل عمران 85 كما يقولون، فإننا ننزّه الله تعالى عما يترتب على نسخها، لأنه وهو الذي وسع علمه كل شيء المنزّه عن الخطأ المستلزم التصحيح بالتغيير والتبديل قد وعد من آمن به وباليوم الآخر وعمل صالحاً أن يجزيهم الجزاء الحسن، وأنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والله غير مخلف وعده ولو كره المبطلون. فالقول بنسخ هذه الآية لا يأنس إليه العقل، ولا يثبته المنطق لأنه لو ثبت نسخها فقد أخلف الله وعده بالأجر لِمن آمن به وعمل صالحاً، والله عزّ وجلّ منزّه عن الوقوع في مثل هذا العمل المشين.

كما يقولون إن آية: «لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ» (سورة البقرة 2: 256) منسوخة بقوله «قَاتِلُوا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ» (سورة التوبة 9: 29). وآية: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ» (سورة البقرة 2: 219). منسوخة بقوله «إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنْصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ» (سورة المائدة 5: 90) وهكذا.

والنسخ عندهم أنواع ثلاثة: (1) نوع ينسخ تلاوة وحكماً كقول عائشة: «كان فيما نزل عشر رضعات معلومات فنُسخت بخمس رضعات معلومات». (2) نوع ينسخ تلاوة لا حكماً كآية: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله، والله عزيز حكيم». (3) نوع ينسخ حكماً لا تلاوة كآية: «كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتّقين» فقد قيل إنها منسوخة بآية: «يوصيكم الله في أولادكم» وكآية: «فأينما تولوا فثمّ وجه الله» فقد قيل إنها منسوخة بآية: «فولّ وجهك شطر المسجد الحرام».

ومن هذا يظهر أن النسخ في الإسلام خاص بآيات القرآن نفسه، ولا علاقة للنسخ بالكتاب المقدس. يثبت ذلك من:

  1. عدم ورود شيء عن ذلك في القرآن.

  2. عدم إشارة الأحاديث إليه.

  3. تصريح القرآن بوجوب اعتماد الكتاب المقدس.

  4. تعريف العلماء للنسخ.

أولاً: لم ترد في القرآن آيات عن نسخه للكتاب المقدس، وكل ما ورد فيه من آيات النسخ إنما قُصد به القرآن. ومن ذلك قوله: «يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ» (سورة الرعد 13: 39). وقوله: «مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا» (سورة البقرة 2: 106). وقد صرّح المفسّرون أن المقصود بهذا النسخ هو القرآن. قال الرازي ما ملخصه: «نزلت هذه الآية رداً على طعن اليهود في الإسلام بقولهم: ألا ترون محمداً يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه؟» وفسّر البيضاوي هذه الآية أيضاً كتفسير الرازي، مما يدل على أن النسخ الذي ذكره القرآن لا علاقة له بالتوراة والإنجيل.

ومن آيات النسخ قوله «وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» (سورة النحل 16: 101). وفسّرها الرازي بقوله: «قال ابن عباس: كانت إذا نزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية أكثر ليناً منها، قال كفار قريش: والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه! اليوم يأمر وغداً ينهى، وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه. فأنزل الله هذه الآية». ويفسرها الجلالان بقولهما: «قال الكفار لمحمد «إنما أنت مفتر كذاب تقول من عندك بل أكثرهم لا يعلمون» حقيقة القرآن وفائدة النسخ» .

فالنسخ في القرآن لا علاقة له بالتوراة والإنجيل، وقد صرح بذلك أكبر علماء الإسلام، كالإمام جلال الدين السيوطي الذي قال: «إن النسخ مما خصّ الله به هذه الأمة» يعني الأمة الإسلامية.

ثانياً: لم يرد في الأحاديث شيء عن نسخ التوراة والإنجيل لا بالقرآن ولا بغيره. وقد قال الإمام جلال الدين السيوطي في تفسيره: «لا يعتمد في النسخ قول عوام المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح... لأن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم... والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد».

وبما أن القرآن والأحاديث الصحيحة، وأقوال الصحابة لم يأتِ فيها نصّ صريح ولا ضمني عن نسخ الكتاب المقدس بالقرآن، فقد أصبح القول بذلك دعوى باطلة وافتراء على كتاب الله تعالى.

ثالثاً: صرّح القرآن في كثير من آياته بوجوب اعتماد الكتاب المقدس وقال: إنه إنما جاء مصدقاً لما فيه ومهيمناً عليه. (راجع الباب الثاني، الفصل الثاني كتاب غير محرّف). وفي كل هذا شهادة بعدم نسخه.

رابعاً: قال علماء المسلمين إن 225 آية قد نُسخت من القرآن. وقد عرّف علماء الإسلام النسخ بما يبطل الزعم بأن القرآن ناسخ للتوراة والإنجيل، فقد قالوا بما يشبه الإجماع إن النسخ لا يقع إلا على مواضع معيّنة. فقد ذكر الإمام جلال الدين السيوطي في كتاب الإتقان: «إن النسخ لا يقع إلا في الأمر والنهي ولو بلفظ الخبر. أمّا الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ، ومنه الوعد والوعيد. وإذا عرفت هذا عرفت فساد صنع من أدخل في النسخ كثيراً من آيات الاخبار والوعد والوعيد».

الخلاصة:

نستخلص مما سبق أن القرآن يشهد أنه لم ينسخ الكتاب المقدس. وأن الكتاب لا يزال حافظاً لقداسة وحيه، وأن الآيات الناسخة والمنسوخة في القرآن لا علاقة لها به، وأن القرآن جاء «مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه» حاثاً على قبوله وتصديقه والإيمان بتعاليم الله فيه، مما يبطل دعوى النسخ.

الفصل الرابع: يجب مطالعة الكتاب والعمل بما فيه

يثبت وجوب مطالعة الكتاب المقدس على المسلمين والعمل بتعاليمه من:

أولاً: الآيات القرآنية التي توجب على المسلمين مطالعته. مثل قوله

  • «وَلاَ تَجَادِلُوا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِٱلَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (سورة العنكبوت 29: 46). فهذه الآية خطاب للمسلمين يلزمهم بالإيمان بما أُنزل إلينا، فكيف يؤمنون به إن لم يطالعوه؟

  • «قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ... وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَٱلنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ» (سورة آل عمران 3: 84). فهذه الآية كسابقتها تحض صراحة على الإيمان بما أُوحي إلى موسى وعيسى، وتوجب ضمناً مطالعة التوراة والإنجيل.

  • «وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ... أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَّبِهِمْ» (سورة البقرة 2: 4 و5). أولئك هم الذين لا يؤمنون بالقرآن فقط، بل ويؤمنون بما أُنزل من قبله وهو التوراة والإنجيل.

  • «أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ» (سورة الأنعام 6: 156) فالمسلم الذي لا يطالع الكتاب المقدس مسلم غافل. قد جعل نفسه في زمرة الذين يخاطبهم القرآن بهذا التوبيخ.

  • «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» (سورة البقرة 2: 85).

  • «إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً وَٱلَّذِينَ آمَنُوا بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيِهمْ أُجُورَهُمْ» (سورة النساء 4: 150 - 152). وهذه الآيات كافية لأن توضح للمسلم خطأه في الاكتفاء بمطالعة القرآن والإيمان به دون التوراة والإنجيل.

  • «لَكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ... أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً» (سورة النساء 4: 162) فهذه الآية قد وعدت بالأجر العظيم لمن آمن بما أُنزل قبل محمد وهو التوراة والإنجيل دون أن يكتفي بالإيمان برسالة محمد فقط.

فظاهر من الآيات السابقة، وما يشبهها، أن الكتاب المقدس كتاب يجب مطالعته والإيمان به ككتاب منزل، وهي تحض المسلمين على ذلك، مبيِّنة أن الاكتفاء بالإيمان بالقرآن وحده لا يكفي لنوال الأجر العظيم وليكون المؤمن من المفلحين الذين هم على هدى من ربهم.

ثانياً: ليس هناك ما يبطل تلك الأوامر القرآنية الموجبة على المسلمين مطالعة الكتاب المقدس والعمل بما فيه، فهو كتاب لم يحرّف ولم ينسخ كما أثبتنا هذا فيما سبق.

ثالثاً: رأينا في البحث الأول من هذا الباب أن القرآن يشهد بتنزيل الكتاب المقدس ووحيه. فإذا كانت مطالعة القرآن واجبة، فكذلك يجب مطالعة التوراة والإنجيل.

خلاصة الباب الثاني:

رأينا في البحوث السابقة أن القرآن يعلّم عن الكتاب المقدس أنه:

  1. كتاب مُنزل من لدن الله تعالى لهداية البشر سواء السبيل.

  2. كتاب سليم من التحريف.

  3. كتاب لم يُنسخ.

  4. كتاب يجب مطالعته والعمل بما فيه.

وكفى بهذا كله من حقائق هامة.

الباب الثالث: سر التثليث

في دراستنا لموضوع التثليث سنتطرق إلى ثلاثة موضوعات:

مقدمة

1 - التثليث الذي حاربه القرآن

2 - شهادة علماء الإسلام لصحة تثليث المسيحية

3 - تنزيه التوحيد المسيحي عن الشرك

مقدمة

ينقسم الموجود إلى ثلاثة أقسام لا رابع لها: فهو إمّا حي ناطق كالإنسان، وإمّا حي غير ناطق كالحيوان والنبات، وإمّا غير حي وغير ناطق كالجماد، وأولها أشرفها من غير شك.

وكلنا يؤمن أن الله موجود، وأنه مبدع جميع هذه العوالم المختلفة. فيتحتم إذاً ما دام أن أشرف الموجود هو الحي الناطق أن يكون الله بجانب «وجوده» «حياً ناطقاً». وإلا لكان الموجود الحي الناطق، وهو مخلوق الله، أفضل منه تعالى، فيما هو نفسه قد فضَّله به على المخلوقات. ولا بد أن تكون حياة الله ونطقه منه لا من غيره، وأن يكونا أزليين بأزليته، وإلا لكان مخلوقاً وهو الخالق وهذا محال. فالله موجود بذاته، حي بروحه، ناطق بكلمته.

وهذه الصفات جوهرية روحية في الله، وإلا لزم أن تلحقه الأعراض، وهذا أيضاً محال.

وهذا الإله، الأزلي الوجود والحياة والنطق، هو ما يعبَّر عنه في الديانة المسيحية بالثالوث الإلهي الأقدس، الواحد الذات والجوهر، غير المنقسم بوجه من الوجوه الفرضية، لأن وقوع القسمة في الروحي البسيط منفي منطقياً، فلا يتصور وجودها في أبسط الموجودات الروحية المجردة وأشرفها، وإنما تكون هذه القسمة في الخواص الإلهية، التي هي صفات الآب والابن والروح القدس. فوجوده عبارة عن صفة الأبوّة، ونطقه عبارة عن صفة البنوّة، وحياته عبارة عن صفة الانبثاق.

وهذه الصفات لا تقتضي ولادة جسدية يسبق بها الآب الابن، بل هي ولادة روحية، أزلية أبدية. فولادة الابن العجيبة من الآب وانبثاق الروح القدس، كمثل صدور «الحرارة» وانبثاق «النور» من «لهب» النار، فحيثما وُجد اللهب كان النور وكانت الحرارة. ولعل البعض يظنون أن اللهب هو علة وجود النور والحرارة، وظنهم هذا كان يمسي حقيقياً لو كان «اللهب» بمفرده ناراً، وكانت «الحرارة» بمفردها ناراً، وكان «النور» بمفرده ناراً. أما وأن اللهب والحرارة والنور نار واحدة فلن يستقيم القول، لأنها نار بجوهر واحد وخواص ثلاث، ولن يمكن إطلاق كلمة «نار» على أحد هذه الخواص إلا بشرط وجود الخاصتين الأخريين. فإذا قلنا إن أحد الأقانيم الإلهية هو الله، فإننا نقصد أن الأقنومين الآخرين ملازمان له، وأن كلا منهم مساوٍ للآخر في جوهره، له كل ما له في كل شيء، خلا الخاصية المتميّز بها: فالآب آب أبداً، والابن ابن منذ الأزل، والروح القدس منبثق انبثاقاً سرمدياً. فالقول بثلاثة أقانيم لا يعني القول بثلاثة آلهة، لأن تعدد الخواص والصفات لا يستلزم تعدد الذات، وإلا قلنا في المثل السابق بثلاثة نيران، وهذا محال.

ولزيادة الإيضاح نقول: هب أن لديك مثلثاً متساوي الأضلاع، نُقِشَ على كل ضلع منه حرف معيّن، وليكن أ ، ب ، ج. فلو نظرت إلى هذا المثلث لوجدته واحداً، ولكنك إذا ميّزته بما نُقش على أضلاعه لما وسعك إلا أن تطلق على كل منها اسمه الخاص المتميّز به عن الضلعين الآخرين.

فنحن المسيحيّين نؤمن بإله واحد ضابط الكل خالق السموات والأرض، جوهر واحد، كلي الكمال، في ثلاث خواص ذاتية، أبانها المسيح وكشف عنها القناع.

ولسنا باعتقادنا أن الله تعالى جوهر نجعله كسائر الجواهر الموجودة عرضة للعرض، وهو تبارك وتعالى ليس مثله شيء، وإنما نعتقد أنه جل شأنه قائم بذاته فحسب، لأن الموجود نقيض المعدوم، وهو ما أدركته إحدى حواسنا أو ما تصورناه بالعقل وأمكن الإخبار عنه، وهو ينقسم إلى قسمين: جوهر وعرض.

فالجوهر كل قائم بذاته، غير مفتقر في قيامه إلى غيره، ولو أنه واقع تحت العوامل العرضية. فالإنسان مثلاً جوهر قابل للعرض لأنه واقع تحت نواميس التغيّر والتطور، فقد يكون جاهلاً ثم ينقلب عالماً. فإذا قلنا إن الله تعالى جوهر، لا نقصد أنّه جوهر كالجواهر المخلوقة، القابلة للعرض، بل نعني أنه قائم بذاته، لأن لله من معاني الأسماء ومدلول الصفات كمالاتها المطلقة، كما أن للمخلوق نقائصها.

وأما العرض فبعكس الجوهر، أعني أنّه الذي لا يقوم بذاته، بل يحتاج في قيامه إلى غيره كالعلم، فهو لا يقوم إلا بوجود العالم. وأنه سبحانه وتعالى منزّه عن أن يفتقر إلى غيره، وهو موجد الموجودات جميعها وعلى كل الجواهر والأعراض.

وحيث أن الموجودات لا تتعدى الجوهر أو العرض، وحيث أن الله تعالى موجود، فهو إذاً جوهر أي قائم بذاته.

وقد تعرّض للكلام في هذا الأمر كثير من علماء المسلمين وكبار فلاسفتهم، فمثلاً يقول القاضي محمد بن الطيب المعروف بابن الباقلاني في كتابه «الطمس في القواعد الخمس»: «إذا أنعمنا النظر في قول النصارى إن الله تعالى جوهر واحد في ثلاثة أقانيم، لا نجد بيننا وبينهم خلافاً إلا في اللفظ فقط. فهم يقولون إنه جوهر ولكن لا كالجواهر المخلوقة، ويريدون بذلك أنه قائم بذاته. والمعنى صحيح، ولكن العبارة فاسدة». كما يقول الإمام أبو جعفر محمد بن محمد الأشعب في كتابه «في العلم الإلهي»: «قد تبيّن أن المحرك الأول أول على الإطلاق، فهو إذاً علة الموجودات كلها. وفي هذه الحالة هو أحد اثنين: إمّا جوهر وإمّا عرض. ومحال أن يكون عرضاً، لأن الجوهر علة وجود العرض. والله علة وجود كل شيء، ولولا الجوهر لما وُجد العرض. فيتعيَّن أن يكون الله جوهراً، أو شيئاً أشرف من الجوهر، أو جوهراً خاصاً أو ذاتاً أو ما شئت فسمّه، إذ لا فرق في اللفظ مع سلامة المعنى».

وقد وصف القرآن الله تعالى بصفات الجوهر القابل للعرض في كثير من آياته كقوله «هو الحي القيوم هو على كل شيء قدير هو بكل شيء عليم إنه هو السميع البصير». بل لقد ذكر القرآن لله صفات وصفه فيها بالوقوع تحت العوامل النفسية كالسخط والغضب والحسرة والنسيان، فقال «إن سخط الله عليهم» (المائدة 5: 80) أي غضب الله عليهم «يا حسرة على العباد» (يس 36: 30) «اليوم ننساهم» (الأعراف 7: 51). وجاء في صحيح البخاري: «ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله». ولقد زاد القرآن فجعل لله وجهاً وعينين باصرتين ويدين مبسوطتين، وأنه يستوي على العرش ويدنو ويتدلى، ويأتي والملائكة صفاً، فقال «كل شيء هالك إلا وجهه» (القصص 28: 88) «ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام» (الرحمان 55: 27) «وٱصنع الفلك بأعيننا» (هود 11: 37) بل يداه مبسوطتان (المائدة 5: 64) ثم استوى على العرش (الأعراف 7: 54) «وجاء ربك والملك صفاً صفاً» (الفجر 89: 22). إلى غير ذلك من صفات الجوهر القابل للعرض، ومع أن المسلمين ينزهون الله عنها مثلنا. وكل ما بيننا وبينهم في هذه القضية هو أنهم يقولون: إن الجوهر ما قبل العرض ودخل في الحيّز، فيستحيل في حق الله تعالى أن يكون جوهراً يقبل العرض ويشمله الظرف. وأما نحن فنقول إن الجوهر ما كان موجوداً قائماً بذاته، والله تعالى جوهر باعتباره موجوداً قائماً بذاته فحسب، ذو خواص ثلاث هي ما يعبر عنها بالثالوث الأقدس.

والتثليث هو العقيدة الأساسية في الديانة المسيحية حتى أن الرسول يوحنا يقول: «هٰذَا هُوَ ضِدُّ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي يُنْكِرُ ٱلآبَ وَٱلٱبْنَ» (1يوحنا 2: 22). وقد ذكر نفس الرسول هذه العقيدة في قوله «ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي ٱلسَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: ٱلآبُ، وَٱلْكَلِمَةُ، وَٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ. وَهٰؤُلاَءِ ٱلثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ» (1يوحنا 5: 7). فظاهر من هذا أن التثليث لا ينقض وحدانية الله تعالى، لأنه لا يعني التعدد.

ويظن البعض خطأ أن الإسلام قد حارب هذا التعليم الأساسي وأنكره وكفَّر القائلين به. ولكن الباحث المدقق في موقف الإسلام إزاء هذا التعليم تتضح له حقائق تخالف الظن والمفروض. وهذه هي الحقائق التي تتجلى واضحة لكل من يبحث هذا الأمر بحثاً دقيقاً بعيداً عن التحزب والتعصب:

أولاً: إنّ التثليث الذي حاربه الإسلام هو غير تثليث المسيحيّة الصحيحة.

ثانياً: أثبت علماء الإسلام للمسيحيّة فكرتها الصحيحة عن التثليث، وبالتالي أعلنوا أنها شيء آخر غير عقيدة التثليث المغلوطة التي ندد بها القرآن، واجتهد في إظهار ما بها من الابتداع.

ثالثاً: نظر الإسلام إلى المسيحيّين وتكلم عنهم كقوم موحِّدين غير مشركين.

رابعاً: تكلم الإسلام عن الثالوث الأقدس كما تعلّم به المسيحيّة، وفي ذلك مصادقة منه لها على صحة هذه العقيدة.

الفصل الأول: التثليث الذي حاربه الإسلام

تعتقد المسيحية أن الله واحد الذات، مثلث الأقانيم. وهي بذلك لا تنافي الوحدانية، لأنها لا تُعلّم بتعدد أو ولادة تناسلية، كما ينعتها مناوئوها. فالقول بأن الإسلام قد حارب المسيحية في هذا المعتقد قول مردود، فهو لم يحارب ثالوث المسيحية الصحيحة، وإنما حارب تعليماً يقول بالتعدد والإشراك والولادة التناسلية. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

أمّا ثالوث المسيحية الأقدس فقد تكلم عنه القرآن بكل تقديس وتبجيل، مما يؤيد القول بأنه حارب معتقداً غير المعتقد الذي ندين به، وتعلمنا إيّاه المسيحية الحقة، يثبت ذلك من:

أولا: التثليث الذي حاربه القرآن هو تثليث التعدد والإشراك:

قلنا إنّ المسيحية تعلم بتثليث لا ينقض الوحدانية أو ينافيها، فهي تؤمن بالآب والابن والروح القدس إله واحد في جوهره. وهي لا تعلّم قط بتعدد الآلهة، بل تنكر هذا التعليم إنكاراً كلياً. وقانون إيماننا يبدأ بالقول «نؤمن بإله واحد». ولو كانت المسيحية تقصد بالتثليث التعدد والإشراك لما صرحت بأن هذا التعليم فوق الإدراك، وهي لم تصرح بذلك إلا لما تعتقده من عدم مناقضته لوحدانية الله.

والثابت المقرر أن الإسلام حارب تعليماً يشير إلى تعدد الآلهة أو الإشراك بالله.

  • قال في سورة النساء 4: 171: «وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ ٱنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ».

  • و «لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ... إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ» (سورة المائدة 5: 72 ، 73).

  • و «ٱتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» (سورة التوبة 9: 31).

  • و «وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ ٱللَّهِ؟» (سورة المائدة 5: 116).

فواضح من هذه الآيات أنها تحارب تعليماً يحمل معنى الإشراك بالله وتعدد الآلهة، وأنها تدعو إلى الإيمان بوحدانية الله. وبما أن المسيحية لا تعلِّم بإشراك ولا بتعدد بل تؤمن بإله واحد، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فيثبت إذاً أن الإسلام إنما حارب تثليثاً غير ثالوث المسيحية، وتعليمها، وعقيدتها...

والذي يؤيد هذه الحقيقة الآية الأخيرة، على نوع خاص، إذ أشار فيها إلى اعتبار العذراء القديسة مريم ركناً من الأركان الثلاثة حيث تقول «وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟» والحق أن المسيحية لم تعتقد يوماً ما بتأليه العذراء أو باعتبارها ركناً من أركان الثالوث الأقدس في الإله الواحد.

وإذاً فقد تقرر أن هذا التعليم الذي أراد الإسلام أن يحاربه كان تعليماً منافياً لتعليم المسيحية، بعيداً عن معتقدها البعد كله.

ويظهر أن حملات الإسلام على هذا التعليم كانت موجَّهة ضد بدعة كانت قد ظهرت ونادت بتأليه العذراء القديسة مريم. وهذه البدعة لم يتجند لحربها الإسلام وحده، بل لقد حاربتها المسيحية حرباً لا هوادة فيها حتى قضت عليها. فالإسلام في حملاته هذه إنما كان متجنداً مع المسيحية جنباً لجنب لمحاربة بدعة أبغضتها الكنيسة وقاومتها.

وفي آية بحثنا دليل آخر على هذه الحقيقة حيث تقول «إلهين من دون الله». وتعليم المسيحية عن الثالوث لا ينطبق عليه هذا القول، فهي لا تعلّم بالمسيح إلهاً من دون الله، ولكنها تعلم أن المسيح والآب واحد بلا تعدد ولا افتراق. وقد أشار المسيح إلى ذلك في قوله «أَنَا وَٱلآبُ وَاحِدٌ» (يوحنا 10: 30).

فمن كل هذه الوجوه يثبت أن تعليم التثليث الذي قاومه الإسلام لم يكن تعليم المسيحية عنه. وإنما كانت حربه موجهة ضد طوائف لا صلة بينها وبين المسيحية، ولا وجه للشبه بين عقيدتها وعقيدتهم.

وأما الآية التي تقول: «لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة» ويستند إليها البعض خطأ زاعمين أن الثلاثة الذين ذُكروا فيها هم ثالوث المسيحية الأقدس، فتلك آية قيلت في حق طائفة المرقونية الذين لفظتهم الكنيسة وحرمت أتباعهم، لأنهم كانوا يقولون بتثليث باطل، ويؤمنون بثلاثة آلهة: عادل أنزل التوراة، وصالح نسخها بالإنجيل، وشرير هو إبليس.

كما حارب الإسلام طائفتي المانوية والديصانية اللتين تقولان بإلهين اثنين: أحدهما للخير وهو جوهر النور والثاني للشر، وهو جوهر الظلمة فقال في حقهم «ولا تتخذوا إلهين اثنين».

لقد كانت هذه الطوائف وأشباهها شر ما مُنيت به المسيحية قبل الإسلام وبعده ولا يزال حكمهم في الكنيسة حكم المذاهب الخارجة في الإسلام، الذين عَدَلوا عن الكتاب والسنّة، كطائفة «النصيرية» القائلة بأن الله جل شأنه حلّ في جسد علي بن أبي طالب وتكلم في لسانه.

وإذا فالإسلام لم يحارب تثليث المسيحية الصحيحة كما يظن البعض. والمسيحية لا تعتبر مقاومته تلك التعاليم المنافية لتعاليمها مقاومة لها.

ثانياً: البنوّة التي حاربها الإسلام تناسلية

إن المسيحية في اعتقادها عن الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، وكلامها عنه (كابن) لا تقصد بنوّة تناسلية يسبق بها الوالد ولده، بل هي بنوّة معنوية يقصر العقل عن إدراكها.

أما البنوّة التي حاربها الإسلام عند مقاومته تعليم التثليث فهي بنوّة تناسلية، مخالفة كل المخالفة للعقيدة المسيحية في بنوّة المسيح. وإليك الآيات التي أشار فيها إلى هذا التعليم وقاومه فيها:

  • «وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ ٱنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ» (سورة النساء 4: 171).

  • «بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ» (سورة الأنعام 6: 101).

  • «قَالُوا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ» (سورة يونس 10: 68).

  • «قَالُوا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً» (سورة الكهف 18: 4).

  • «مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ» (سورة مريم 19: 35).

  • «وَقَالُوا ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَانُ وَلَداً... أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَانِ وَلَداً... وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَانِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً» (سورة مريم 19: 88، 91، 92).

  • «وَقَالُوا ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَانُ وَلَداً» (سورة الأنبياء 21: 26).

  • «مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِنْ وَلَدٍ» (سورة المؤمنون 23: 91).

  • «وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً» (سورة الجن 72: 3).

  • «قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ» (سورة الاخلاص 112: 1 - 3).

تلك هي الآيات القرآنية التي أشارت إلى نسبة البنوّة لله، بولادة تناسلية، يدل على ذلك الصاحبة والولد. والمسيحية بريئة من هذه العقيدة كل البراءة. والإسلام في محاربته هذا التعليم إنما كان يحارب تعليماً غريباً عن تعاليم المسيحية. والمسيحية لا ترى هذه الحرب موجهة ضدها، ولا شأن لها بها.

الخلاصة:

إن القرآن في تنبيره على الوحدانية، ومحاربته لتعليم التثليث، لم يحارب ثالوث المسيحية. وهذه الحرب لم تضر المسيحية بشيء، بل هي على العكس من ذلك. قد أفادت المسيحية ووقفت في صفها إزاء تعليمها عن الثالوث الأقدس، لأنها على الأقل قد أثبتت أن هذا التعليم قديم يرتقي عهده إلى ما قبل ظهور الإسلام.

الفصل الثاني: شهادة علماء الإسلام لصحة تثليث المسيحية

تعرّض علماء الإسلام وفلاسفته إلى عقيدة التثليث المسيحية، وأعلنوا أنها غير العقيدة التي حاربها الإسلام، وندّد بها القرآن. ونورد هنا ما ذكره صاحب «المشرع» نقلاً عن نسخة قديمة من كتاب «أصول الدين» لأبي الخير بن الطيب الذي عاصر الإمام أبا حامد الغزالي. وهو:

«قال بعض المسيحيين لأبي الخير بن الطيب: إن الإنجيل بقوله: امضوا وتلمذوا كل الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس قد أوجب عليكم الاعتقاد بثلاثة آلهة. فأجابه: لا ريب في أن لباب الشريعة المسيحية هو الإنجيل ورسائل بولس الرسول وأخبار الحواريين. وهذه الكتب، وأقوال علماء النصارى المنبثة في آفاق الأرض تشهد بتوحيدهم، وبأن أسماء الآب والابن والروح القدس إنما هي خواص لذاته الواحدة. ولولا حب الإيجاز لأتيت على إثبات عقيدتهم مفصلاً، ولكنني مع ذلك أقتضب من أقوالهم الناطقة بصحة معتقدهم وقويم إيمانهم، ما لا يخلو من فائدة فأقول: يرى النصارى أن البارئ تعالى جوهر واحد موصوف بالكمال، وله ثلاث خواص ذاتية كشف المسيح عنها القناع، وهي الآب والابن والروح القدس، ويشيرون بالجوهر ذاته الذي يسمونه البارئ ذا العقل المجرد إلى الآب. والجوهر نفسه الذي يسمونه ذا العقل العاقل ذاته إلى الابن. والجوهر عينه الذي يسمونه ذا العقل المعقول من ذاته إلى الروح القدس. ويريدون بالجوهر هنا ما قام بنفسه مستغنياً عن الظرف».

وقد أشار الغزالي إلى عقيدتهم هذه في كتابه «الرد الجميل» فقال: «يعتقد النصارى أن ذات البارئ تعالى واحدة في الجوهر ولها اعتبارات».

«فإن اعتبر وجودها غير معلق على غيره، فذلك الوجود المطلق، هو ما يسمونه بأقنوم الآب».

«وإن اعتبر معلقاً على وجود آخر، كالعلم المعلق على وجود العالم فذلك الوجود المقيد، هو ما يسمونه بأقنوم الابن أو الكلمة».

«وإن اعتبر معلقاً على كون عاقليته معقولة منه، فذلك الوجود المقيد أيضاً هو ما يسمونه بأقنوم الروح القدس، لأن ذات البارئ معقولة منه».

«والحاصل من هذا التعبير الاصطلاحي: أن الذات الإلهية واحدة في الجوهر، وإن تكن منعوتة بصفات الأقانيم».

ويقولون أيضاً:

«إن الذات من حيث هي مجردة لا موصوفة، عبارة عن معنى العقل، وهو المسمى عندهم بأقنوم الآب».

«وإن اعتبرت من حيث هي عاقلة ذاتها، فهذا الاعتبار عبارة عن معنى العاقل، وهو المسمى بأقنوم الابن والكلمة».

«وإن اعتبرت من حيث أن ذاتها معقولة منها، فهذا الاعتبار عبارة عن معنى المعقول، وهو المسمى بأقنوم الروح القدس».

«فعلى هذا الاصطلاح، يكون العقل عبارة عن ذات الله فقط، والآب مرادف له، والعاقل عبارة عن ذاته بمعنى أنها عاقلة ذاتها، والابن أو الكلمة مرادف له، والمعقول عبارة عن الإله المعقولة ذاته منه، وروح القدس مرادف له أيضاً».

ثم عقّب قائلاً: «إذا صحت المعاني فلا مشاحة في الألفاظ ولا في اصطلاح المتكلمين» (عن كتاب «المشرع» للقس بولس سباط الطبعة الثانية صفحة 21 - 25).

الخلاصة:

من تفسير الإمام الغزالي لعقيدة التثليث المسيحية، وتعليقه عليها يتضح أن فلاسفة الإسلام وعلماءه أدركوا أن عقيدة المسيحية الصحيحة في التثليث هي غير تلك العقيدة المبتدَعَة التي أشار إليها القرآن وندَّد بها.

ومعنى هذا أن الإسلام لم يحارب التعليم الصحيح عن عقيدة التثليث المسيحية، بل حارب التعليم المبتدع فيها، وأن علماءه وفلاسفته قد شهدوا بأن تعليم المسيحية عن التثليث لا يناقض التوحيد.

الفصل الثالث: تنزيه التوحيد المسيحي عن الشرك

في القرآن آيات كثيرة تدل على أن الإسلام نظر إلى المسيحية نظرة خالية من الاعتقاد فيها بتعليم الإشراك. فقد جاء في سورة المائدة 5: 69 «إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ».

فلو قيل إن الإسلام يعتقد أن النصارى آمنوا بالله في غير توحيد، وإن إيمانهم إيمان تعدد وإشراك، لما صرح أن لهم أجرهم عند ربهم، وأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لأنه يكون بتصريحه هذا قد وعد المشركين بالأجر والثواب، وهذا باطل. إذ أن المعقول والمنقول أن الإسلام قد حارب الشرك والمشركين وأنذرهم عذاباً أليماً من بين أيديهم ومن خلفهم. فهذه الآية قد دلت على أن الإسلام ميّز بين النصارى والمشركين، ولم ينظر إلى المسيحية كدين تعدد وإشراك.

ثم أن الإسلام حرم على المسلمين أن يتزوجوا بالمشركات، دون أن يتخذن الإسلام لهن ديناً. في حين أنه ساوى بين المسيحية والمسلمة في هذا، فأباح للمسلم أن يتزوج من المسيحية دون أن يُشترط الإسلام لتمام هذا الزواج وصحته، فقال: «أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ» (سورة المائدة 5: 5). فهذه الآية أجازت للمسلم التزوج من النصرانية، مع الحرص على حقها أن لا يُهضم، جاعلاً إياها في مرتبة المرأة المسلمة. فلو كان الإسلام اعتبر المسيحية مشركة لحظر الزواج بها، ولحرمه تحريماً، أو على الأقل لجعل الإسلام شرطاً ضرورياً لتمام هذا الزواج، كما فعل مع المشركات اللاتي قال في حقهنّ: «وَلاَ تَنْكِحُوا ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ» (سورة البقرة 2: 221). فهذه الآية قد حرمت على المسلم الزواج من المشركة وهي باقية على شركها، وأجازه له بعد إسلامها.

فالقول بأن الإسلام اعتقد في المسيحيين الشرك، يدعو إلى التناقض بين هاتين الآيتين. وإذاً تكون النتيجة اللازمة لهذا هي أن الإسلام نزَّه المسيحية عن الشرك، وفرَّق بين النصارى والمشركين.

وهناك الآية التي تنطق بوضوح بنظر الإسلام إلى المسيحية كالدين البعيد عن الإشراك والتعدد وهي «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ٱلَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ» (سورة المائدة 5: 82). فهذه الآية تفصل بين النصارى والمشركين، وتشير إليهم كطائفتين متغايرتين، وهي بذلك تنزّه المسيحية عن تعليم الإشراك وتثليث التعدد.

وهناك أيضاً الآية التي تكلم فيها القرآن عن المسيحيين كمؤمنين بالله، تقاة ساجدين، آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، مسارعين في الخيرات، ومن الصالحين، والتي أشار أولاً فيها إلى اليهود وهي: «لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَاءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ» (سورة آل عمران 3: 11، 114). فهل يُعقل أن يشهد القرآن مثل هذه الشهادات، وينعت بكل هذه الصفات قوماً مشركين؟

أضِف إلى هذا أن الإسلام قد أباح دماء المشركين، فقال: «وَٱقْتُلُوا ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ» (سورة التوبة 9: 5) فهذه الآية قد أهدرت دم المشركين وحضت على التربص بهم، فميّزت بينهم وبين النصارى الذين حقن الإسلام دماءهم، إذا هم دفعوا الجزية (التوبة 9: 29). وقد سبق لنا القول إن هذه الجزية لا تؤخذ عوض البقاء على الكفر وبدل الاستمرار على الشرك بالله، وإلا كان آخذوها وهم المسلمون شركاء في هذا الكفر، لما يكون في علمهم من التجاوز عما لا يجوز التجاوز فيه من حرام ومحظور.

الخلاصة:

لا شك بعد هذا في أن الإسلام قد اعتقد في المسيحية الإيمان الصحيح بالله تعالى، الإيمان البعيد عن خطل الشرك ووزر التعدد، وأنه نظر إلى المسيحيين وتكلم عنهم كقوم موحدين لا تشوب عقيدتهم شائبة.

الفصل الرابع: مصادقة الإسلام على صحة عقيدة الثالوث المسيحيّة

تعلّم المسيحية بوحدانية الله في الذات، وتثليثه في الأقانيم: الآب والابن والروح القدس الإله الواحد. ولقد ذكر القرآن في آياته ما يؤيد هذا التعليم ويصادق عليه. ونحن ننقل ما جاء في كتاب «المشرع» لمؤلفه القس بولس سباط، قال:

«لو تدبَّر المسلمون كلام القرآن بالروية لعلموا أننا على محجة الإيمان، فإن كثيراً من نصوصه يثبت معتقدنا بالتثليث الذي جاء عندنا منظوماً في سلك البسملة، وعندهم منثوراً في القرآن بين كلماته وضمن سُوَره وآياته».

  • «إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ» (سورة آل عمران 3: 45).

  • «وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ» (سورة البقرة 2: 87).

فكأني بصورة التثليث قد انعكست على مرآة القرآن. فأبرزها بهاتين الآيتين وأمثالهما، والمسلمون يرتلونهما دون انتباه لما فيهما من المطابقة لاعتقاد النصارى، لفظاً ومعنى. على أن اسم الجلالة في الآية هو الآب، كما يُستنتج من تسمية المسيح بالابن، وإلا اقتضى قول الآية: «بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم» «إن يستأبب هذا الابن المولود من أم، أباً كآباء الآدميين، أو أباً أزلياً فائق الطبيعة» لاقتضاء البنوّة أبوّة في كل حال. وفي القرآن ما ينزِّه المسلمين عن نسبة الأبوّة والبنوّة البشريتين إلى الله والمسيح. فإذا امتنع في إيماننا واعتقادهم أن يكون الله تعالى والداً، والمسيح مولوداً كالآدميين، ثبت بامتناع أحد النقيضين تحقُّق الآخر، تعيَّن أن يكون للمسيح آب يفوق إدراك العقول، ويُنزّه عن الكيف والكم وعن لماذا ولِمَ. وإلا فمن تراه يكون أهلاً لأبوّة المسيح، كلمة الله المتأنس، غير الله عز وجلّ؟

«ثم ان الكلمة وروح القدس المذكورين في القرآن هما الأقنومان المتممان لخواص الثالوث عندنا، لفظاً ومعنى، فإن الآية «وأيدناه بروح القدس» تشمل المؤيِّد والمؤيَّد والمؤيَّد به، وكل منها أقنوم ممتاز بخاصته الذاتية. ويبدو الفرق بينها في أسرع من لمح البصر. فإن المتكلم هو غير الكلمة، كما أن المؤيِّد، هو الله، غير المؤيَّد وهو الكلمة أو الابن، والمؤيِّد غير المؤيَّد به، وهو الروح القدس. وتلك أقانيم الثالوث عندنا، لا خلاف فيها بيننا وبين المسلمين. فنحن نقول في بشارة الملاك لمريم: ملاك الرب نزل من السماء، وبشر مريم العذراء، فحبلت بالروح القدس. ونقول أيضاً «وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا» (يوحنا 1: 14). وفي الإنجيل الطاهر: «فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ، وَٱلْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ ٱللَّهِ، وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللَّهَ» (يوحنا 1: 1). إلى غير ذلك مما تتجلى فيه عقيدتنا الراهنة، البعيدة عن معنى الأبوّة المادية التي يتَّهمنا بها المسلمون، وقد أبنّا في ما تقدم وجه ما أجاز لنا تسمية الله بالآب، وأوضحنا أن قولنا «الكلمة» هو مرادف لقولنا ابن الله، وأنّ الإنجيل المقدس قد دعاه الكلمة أيضاً، ودلّ في كلمة التبشير على ولادته من روح القدس، لا من المادة كما شهد به القرآن. فتعيّن إذاً ألا يكون بيننا وبينهم إلا خلاف لفظي في تسمية الله الآب، وهي أبوّة اقتضتها بنوّة المسيح في قول القرآن: «بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم»، ولا يصح أن يكون هذا الخلاف سبباً في الجدل والمناوأة، مع صحة هذه الأبوّة التي اعتقدها ألوف من أهل العلم، ونمت حقيقتها في أقوال القرآن، على ما رأيت. فالله المسؤول أن يجمع قلوبنا على حبه وعبادته» .

ونضيف أن آيتي البقرة 87: «وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ» وآل عمران 45 تضمنتا ذكر الثلاثة الأقانيم، كما تعلِّم به عقيدة التثليث المسيحية تماماً. ففيه ذكر الله، وهو الاسم الشائع الاستعمال للكتابة عن الأقنوم الأول «والآب» وفيها ذكر «الكلمة» الأقنوم الثاني، وفيها ذكر «الروح القدس» الأقنوم الثالث.

ثم أن آل عمران 45: «إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ» تتكلم بوضوح عن الأقنوم الثاني كلمة الله، فهي تصرح أن هذه الكلمة ليست لفظاً يقرع الأسماع ثم يذهب مع الريح، وإنما تعلم أن الكلمة:

1 - من الله «إنّ الله يبشرك بكلمة منه».

2 - ويراد بها شيء له قيوميته في ذاته «اسمه المسيح عيسى».

3 - وهي في الوقت ذاته «ابن مريم».

ولقد سلك المفسرون في تفسير هذه الآية وأشباهها سلوكاً كله تكلف وإعنات، فهم يقولون إن «الكلمة» لم يكن من الله، بل كان بقوة كلمة الله «كن». كما أنهم قد غُلبوا على أمرهم في إدراك معنى «الروح» واضطربوا في تفسيره اضطراباً يدعو إلى العجب. وسنرى هنا صواب قولهم أو خطأه.

قلنا إن هاتين الآيتين تضمنتا ذكر الثالوث الأقدس كما علّمت به المسيحية. ونرى لزاماً علينا أن نزيد هذا القول إيضاحاً وتفصيلاً.

(أ) أما الآب فقد ذكرته الآية بطريقة يتحتم معها تسمية الله بهذا الاسم، لأنها في كلامها قد دعت المسيح ابن مريم، فوجب أن يكون لهذا الابن أب كسائر المواليد من أنثى، لأن المعلول لا بد له من علة، فالبنوّة تقتضي أبوّة. وأب المسيح إما أن يكون أباً بشرياً كسائر الآباء، وحينئذ يصبح المسيح شخصاً عادياً، والمسيحية والإسلامية تنزهان المسيح عن ذلك. وإما أن يكون هذا الآب أباً غير بشري، حتى يستقيم القول إنه كلمة من الله. وقد انتفى أن يكون للمسيح أب بشري، فوجب أن يكون له آب فائق الطبيعة هو الله سبحانه وتعالى.

وسيرى القارئ عند كلامنا عن الكلمة تفصيلاً لهذا كله.

(ب) أما الكلمة: فإن المفسرين يفسرون قول القرآن «بكلمة منه» بزعمهم أن الكلمة لم يكن من الله، بل كان بقوة كلمة الله، ولو صحّ هذا التفسير لأضحى المسيح موجوداً من العدم لا من الله، وحينئذ يكون القرآن قد ذكر لفظة «منه» عبثاً. كما يكون قد أخطأ حين أضاف الكلمة إلى الله ولقَّب المسيح بأنه «روح منه» في قوله: «إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه». ونحن نجل القرآن عن هذا، ونعتقد أنه لم يخطئ حين ذكر صدور الكلمة من الله، ولم يتعدّ الصواب حين وصف المسيح بأنه «روح منه». ولم يذكر كلمة «منه» عبثاً. بل نعتقد أنه إنما ذكرها ليدل على أن مصدر الكلمة هو الله ذاته. وما كان من الله بغير طريق الخلق والإبداع، كان هو الله ذاته لا محالة، لأن كل شيء في الله واحد.

ولكن كيف حدث ذلك الصدور بحيث أصبحت كلمة الله ذاتاً اسمها المسيح عيسى ابن مريم؟

إنّ نظرية الصدور أو التوالد تختلف بين الكائنات باختلاف طبائعها. وكلما ازدادت الطبيعة رقياً وارتفاعاً ازداد ما يصدر عنها أو يتولد منها اتحاداً بها. فنرى في الجمادات كالصخور والمعادن وهي أسفل الكائنات درجة أن الصدور والتولد لا يحدث فيها إلا بفعل الواحد في الآخر. فالنار مثلاً لا تتولد إلا من نار، وذلك بفعل النار في الجسم القريب منها، فتشركه في صفاتها وتحوله إلى نوعها، وقس على ذلك.

فإذا ارتقينا بالنبات درجة، ورأيناه في مرتبة الحياة الحساسة حياة الحيوان رأينا أن تولُّد النفس الحساسة، الخاص بها، يبدأ من الخارج، وينتهي إلى الباطن. ولذلك أصبحت هذه الحياة الحساسة أرفع قدراً من حياة النبات لزيادة اتحادها في ذات كونها، ولكنها مع كل هذا ليست حياة كاملة الكمال الوافي.

فإذا ارتقينا بهذه النفس الحساسة، ورأيناها وقد حلّ فيها النطق، فخرجت به من أفق الحيوان إلى أفق الإنسان، رأيناها تبدأ الحياة العاقلة، التي هي أكمل أنواع الحياة، وأرقاها شأناً، وأرفعها مقاماً.

بيد أن هذه الحياة الحساسة الناطقة العاقلة لا تزال ناقصة لأن العقل البشري وإنْ أمكنه أن يدرك ذاته فإنه إنما يستمد بدء علمه من الخارج، ولذا كانت الحياة العقلية في الملائكة أكمل وأرفع منها في الإنسان. ولكنه مع هذا كله لم يصل إلى درجة الكمال المطلق، لأن المعنى الذي يدركه الملاك وإن كان ذاتياً فليس هو جوهر الملاك، لأن العقل والوجود ليسا واحداً فيه.

فكمال الحياة إذاً الذي ليس وراءه كمال هو في ذلك الكائن الذي وجوده ذاته وذاته وجوده، وهو الله سبحانه وتعالى، الحي القيوم، لأن العقل والوجود واحد فيه. ولذلك كان المعنى المعقول فيه والذات الإلهية واحداً. ولكن لما كان وجود الله تعالى هو عقله، وكان عقله هو وجوده، كان المعنى المعقول فيه هو عقله أيضاً، إذ كل شيء في الله واحد، ومن هنا كان العقل فيه هو الشيء المعقول فيه، وكان بعقله لذاته يعقل كل شيء، لأنه علة كل شيء.

والنتيجة إذاً أن العقل والعاقل والمعقول واحد في الله سبحانه وتعالى.

إذا أمعنت الفكر في كل ما سبق استطعت أن تتصور صدور الكلمة من الله ذات الصدور الذي نؤمن به، وأشار إليه القرآن بقوله للعذراء مريم: «إنّ الله يبشرك بكلمة منه»، وبقوله لزكريا عند تبشيره بيحيى «إنّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله» وهو المسيح.

ولا يمكن أن يكون ذلك الكلمة قد صدر من الله على شكل الصدور الحادث بين الجماد، لأن التولد فيه إنما يكون برسم صورته في مادة خارجية، ولا يمكن أن يكون قد صدر على شكل الصدور الحادث بين النبات والحيوان لأن التولد فيهما لا يحدث إلا بانفصال شيء منهما يشاركهما في صفاتهما، ولا يمكن أن ينفصل عن الله شيء منه، كما لا يمكن أن يقبل هو جل شأنه شيئاً من الخارج.

فكيف يكون إذاً قد صدر ذلك الكلمة من الله؟ لا سبيل لذلك إلا سبيل التولد العقلي. فالكلمة إذاً هي في الله العاقل لذاته، أي أن الله تعالى معقول، وموضوع عقله هو ذاته نفسها، لأن كل شيء في الله واحد. ولما كان عقله لا يخرج من القوة إلى الفعل، فلا يطرأ عليه الحدث، ولا يقع تحت عوامل العرض كان كلمته الذي منه أزلياً أبدياً، موجوداً فيه، ومساوياً له المساواة التامة.

ولما كان كلمة الله منه فهو إذاً ابنه، على سبيل التولد العقلي. وهو إذاً له طبيعة الله وصفاته، لأن الله لا يعقل ذاته بأقل مما هو عليه، إذ عقله وجوده.

والكلمة الإلهية، من حيث أنها إله معقول هي إله حقيقي، لها الصفات الإلهية من ذات طبيعتها، إذ لا تمايز بين وجود الله، وبين علمه وعقله، ولذلك كانت كلمة الله هي ذاته، لأنها صادرة من الله بطريق التولد والصدور العقلي، لا بطريق الخلق والإبداع، كما أشرنا إلى ذلك آنفاً. وهذا يفسر لنا قول القرآن: «إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم»، ويوافق قول الإنجيل: «فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ، وَٱلْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ ٱللَّهِ، وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللَّهَ... كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَان» (يوحنا 1: 1، 3).

فالكلمة الإلهية إذاً هي نفس الذات الإلهية، وهي واحدة في النوع وفي العدد «لأن كل شيء في الله واحد». ثم أنّ الطبيعة في أيّ موجود لا تنقسم إلى موجودات كثيرة بمقتضى العدد، بل بحكم المادة التي تتشخص بها. والطبيعة الإلهية منزهة عن كل مادة: فمن المحال أن تكون واحدة في النوع وممتازة في العدد. فكلمة الله التي بشر بها الملاك العذراء مريم، تشترك مع الله في طبيعة واحدة عدداً، فليس الله وكلمته إلهين اثنين، بل إله واحد.

وقصارى القول، إنّ كلمة الله قد صدر من الله بمقتضى عقله لذاته. ولما كان العقل والعاقل والمعنى المعقول واحداً في الله تعالى، كان الكلمة هو الله تعالى.

(ج) وأما الروح القدس: فالقرآن لا يوضح لنا ماهيته، ولا يفسر لنا معناه ولا يبيّن من يكون هو، ولا ماذا يُراد به، مع أن القرآن ذكر كلمة روح في نحو عشرين آية. وكلما وصل المفسرون إليها ارتبكوا وتحيّروا وغُلبوا على أمرهم.

ولا نكاد نجد مفسراً واحداً أوفى شرح هذه اللفظة، وأبان مدلولها، بل نراهم يفسرونها بمعانٍ لا صلة بينها البتة. ويخيّرون القارئ في أخذ ما يحب منها. فنرى مثلاً الإمام البيضاوي عند كلامه عن آية البقرة 87: «وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس» يخيّر القارئ بين أربعة معانٍ هي:

  1. الروح القدس هو جبريل.

  2. هو روح عيسى.

  3. هو الإنجيل.

  4. هو الإسم الأعظم الذي كان عيسى به يحيي الموتى.

ويزيد الطبري هذا التفسير تعقيداً على تعقيده. فتكلم في معنى الروح جسداً، ونسب تأويلات متباينة إلى الصحابة وأولادهم لا تدل إلا على أنهم كانوا هم أيضاً في حيرة وارتباك من جهة الروح. ولغموض القرآن في أمر الروح، ولخلط الأئمة وتناقض أقوالهم في تفسيره، نرى المسلمين عامة يقفون عند الروح موقف من اعتقد أنه سر عظيم لا يمكن إدراك كنهه ولا معرفة ماهيته. بل لا نغالي إن قلنا إن هذا السر العظيم قد غمض على نفس نبي الإسلام، فقد وفد عليه اليهود يسألونه عن الروح، طالبين إليه أن يخبرهم: ماذا يكون، وكيف يتعذب الروح الذي في الجسد؟ وكيف يتنعم؟ فأجابهم: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» (سورة الإسراء 17: 85). مما يدل دلالة واضحة لا لبس فيها ولا غموض على أنه قد اعتقد أن الروح صفة أو طبيعة تفوق إدراك العقل البشري، وأنّ عِلم أمره مقصور على الله تعالى. وقد رُوي عن ابن بريدة أنه قال «لقد مضى (مات) النبي وما يعلم الروح». هذا، وأقوال المفسرين تدل على أنهم أيضاً قد تاهوا في هذا المجال، وشطوا في بحوثهم: هل الروح عرض أو جوهر؟ وهل هو ذات المسيح، أم أن المسيح مولود بالروح، أم أنه مؤيد بالروح والروح مؤيد له فقط؟

وإن كان القرآن لم يشف الغلة في إيضاح ماهية هذا الروح، فإن مما يستحق الاعتبار أنه قرن ذكر الروح بالمسيح. وهذه الصلة القائمة بين المسيح والروح في القرآن، بجانب هذا الغموض أمر يدعو إلى العجب، ويدل على منزلة المسيح التي لم يُنزِلها القرآن أحداً غيره من الأنبياء والرسل.

ولو نظرنا إلى ورود كلمة «الروح» في القرآن باعتبار زمن الآيات، لرأينا أربعة أقسام:

القسم الأول: تكلم عن الروح كأنه جبريل أو أحد الملائكة.

  • «تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ» (سورة القدر 97: 4).

  • «يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً» (سورة النبأ 78: 38).

  • «تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» (سورة المعارج 70: 4).

  • «نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ» (سورة الشعراء 26: 193، 194).

  • «قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِٱلْحَقِّ» (سورة النحل 16: 102).

وقد ذهب البيضاوي والجلالان والكشاف والطبري والرازي والنيسابوري بما يشبه الإجماع الكلي إلى أن الروح في هذه الآيات هو جبريل. ولا شك أنهم ذهبوا هذا المذهب تخلُّصاً من عناء البحث.

القسم الثاني: ينسب الخلق إلى الروح.

  • «فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ» (سورة الحجر 15: 29 و ص 38: 72).

  • «ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ» (سورة السجدة 32: 9).

وقال الرازي في تفسيره ما معناه: «نفخت فيه من روحي حتى جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيي». وقال الجلالان: «أجريت فيه من روحي فصار حياً». وقال الكشاف: «نفخت فيه من روحي وأحييته، وليس ثمة نافخ ولا منفوخ، وإنما هو تمثيل لتحصيل ماء الحياة فيه». وزاد البيضاوي فقال «أي جعله حياً حساساً بعد أن كان جماداً. وأضافه إلى نفسه تشريفاً».

وهذا يدل على أن مفسري القرآن قد ازدادوا حيرة، لأن الروح في هذه الآيات ليس جبريل كما فسروا في آيات القسم الأول. لأن جبريل ليس نفخة تجري في تجويف الإنسان، كما يجري الدم، فيُحيا به. ولو كان الأمر كما ذكروا لما استطعنا أن نجادل من يقول إن الله قد نفخ في القرد من روحه فصار حياً، لأنه بحسب قولهم لا حياة للجسم المادي دون أن ينفخ الله فيه من روحه، كما قال الرازي: «إن كل أحد روحه روح الله»، خطأ فاحش، لأنه يقتضي أن يسمي كل واحد نفسه «روح الله».

القسم الثالث: ينسب الوحي إلى الروح.

  • «يُنَزِّلُ ٱلْمَلاَئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ» (سورة النحل 16: 2).

  • «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» (سورة الإسراء 17: 85).

  • «رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ» (سورة غافر 40: 15).

  • «وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا» (سورة الشورى 42: 52).

  • «أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ» (سورة المجادلة 58: 22).

وقد فسر المفسرون الذين ذكرناهم سابقاً الروح في هذه الآيات بأنه الوحي أو القرآن أو الكتاب أو النبوّة أو الإيمان أو النصر على العدو أو النور، ولكنهم قالوا جميعاً إنه الوحي.

القسم الرابع: ينسب ولادة المسيح وأعماله إلى الروح.

  • «وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ» (سورة البقرة 2: 87، 253).

  • «وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرَوُحٌ مِنْهُ» (سورة النساء 4: 171).

  • «إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ» (سورة المائدة 5: 110).

  • «فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً» (سورة مريم 19: 17).

  • «وَٱلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا» (سورة الأنبياء 21: 91).

  • «وَمَرْيَمَ ٱبْنَةَ عِمْرَانَ ٱلَّتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا» (سورة التحريم 66: 12).

وقد فسر المفسرون هذه الآيات قائلين إنّ الروح هو الروح المقدسة جبريل لطهارته، أو روح عيسى ووصفها به لطهارته من الشيطان، أو لكرامته على الله ولذلك أضافها الله إلى نفسه، أو لأنه لم تضمه الأصلاب ولا أرحام الطوامث، أو الإنجيل، أو اسم الله الأعظم الذي كان عيسى به يحيي الموتى.

وتفسير هذا القسم قد اصطبغ بصبغة الفكر المبلبل، إذ جعل للروح تأثير قوة روحية خفية ليست هي الله ذاته، على أن ما يستنتج من آياته أن الروح هو من الله رأساً، فلا يدرك كنهه سواه، إذ هو مصدره، وأنه كان الواسطة الوحيدة في حبل العذراء بالمسيح، وأنه هو الذي كان يوحي كلام الله إلى أنبيائه وأنه كان مؤيِّداً للمسيح.

وما دام أن الروح هو من الله، أو هو روح الله، فهو ككلمته إله أزلي له كل الصفات الإلهية، لأن كل شيء في الله واحد كما ذكرنا، ولأن القرآن لم يوضح لنا ما هو. وأما القول بأن الله قد أضاف الروح إلى نفسه تشريفاً فهو تكلُّف لا سبيل إلى الأخذ به.

ومن العجيب حقاً أن مفسري القرآن لم يستطيعوا معرفة حقيقة أمر الروح وإدراك سره، ونحن نعتقد أن الذي منعهم من بحث الأمر بحثاً دقيقاً هو سر الأقانيم الإلهية في ذاته تعالى، ولهذا نراهم يحاولون جهدهم التخلص من عقدة التثليث فيحولون العبارات من الحقيقة إلى المجاز.

ألم تر كيف يقولون إن الروح هو جبريل، أو ملاك عظيم، أو جند من الملائكة، أو نسمة، أو ريح، أو نور، أو الوحي، أو الإيمان، أو النبوة، أو القرآن، أو الإنجيل، أو كل الناس، أو هو كائن أعظم من الملائكة، أو النصر على العدو أو ... أو الخ؟

وهذه المعاني الكثيرة، التي تبعث على الدهشة تدل على أن بين المسيح والذات الإلهية صلة فريدة تقوم بوساطة روح يشترك في هذه العلاقة الممتازة، فهي ليست كالصلة العادية التي بين الخالق والمخلوق، وليست بالصلة التي تدعو إليها دواع يخترعها المفسرون اختراعاً.

ونحن نشاطر المسلمين حيرتهم إزاء غموض القرآن في أمر الروح، والذي لم يستطع الصحابة أو المفسرون جلاءه أو الوصول إلى حقيقته، ولهذا نرى واجباً علينا أن نلجأ إلى الكتاب المقدس نستوضحه ما غمض علينا فهمه، عملاً بقول القرآن:

  • «فَٱسْأَلُوا أَهْلَ ٱلذِّكْرِ (أهل الكتاب) إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ» (سورة الأنبياء 21: 7).

    يرى المطلع على كتاب الله المقدس أن الروح القدس هو الرب جل جلاله.

  • «وَدَعَا ٱسْمَ ٱلْمَوْضِعِ «مَسَّةَ وَمَرِيبَةَ» مِنْ أَجْلِ مُخَاصَمَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمِنْ أَجْلِ تَجْرِبَتِهِمْ لِلرَّبِّ قَائِلِينَ: «أَفِي وَسَطِنَا ٱلرَّبُّ أَمْ لاَ؟» (خروج 17: 7).

  • «لِذٰلِكَ كَمَا يَقُولُ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ: ٱلْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي ٱلإِسْخَاطِ، يَوْمَ ٱلتَّجْرِبَةِ فِي ٱلْقَفْرِ حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ. ٱخْتَبَرُونِي وَأَبْصَرُوا أَعْمَالِي أَرْبَعِينَ سَنَةً» (عبرانيين 3: 7 - 9).

  • «رُوحُ ٱلرَّبِّ تَكَلَّمَ بِي وَكَلِمَتُهُ عَلَى لِسَانِي. قَالَ إِلٰهُ إِسْرَائِيلَ. إِلَيَّ تَكَلَّمَ صَخْرَةُ إِسْرَائِيلَ. إِذَا تَسَلَّطَ عَلَى ٱلنَّاسِ بَارٌّ يَتَسَلَّطُ بِخَوْفِ ٱللَّهِ» (2 صموئيل 23: 2 ، 3).

  • «لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ ٱللَّهِ ٱلْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (2 بطرس 1: 21).

ويرى أنه ذات الله في أسفار صموئيل والمزامير وإشعياء، وأنه قد وُصف بصفات الله عز وجل، فهو الديَّان المقنع المعلّم المُعِين، ذو القوة والبأس المتين.

فالروح هو الله بلا شك، لأن هذه الصفات لا يمكن أن يتصف بها غيره تعالى، وهذه الحقوق مختصة به وحده، فهو الذي يقف الكل أمام عرشه صاغرين، وما الملائكة إلا مبلغون لوحيه، وليس الأنبياء والرسل إلا مبشرين ومنذرين. أما الروح القدس فهو الذي يحرك القلوب وينمي مفعول كلام الله فيها، وبيده الحياة والحكمة يؤتيها من يشاء (يوحنا 7: 39، رومية 9: 1، 1تسالونيكي 1: 5، 1بطرس 1: 12). وهو الذي يسكب المحبة في قلوب المؤمنين، وهو الذي يقدس ويغسل ويبرر، مما لا يستطيعه إلا الله. فبأي وجه لا نعتقد أن الروح هو الله. وهذا أيوب يقول

  • «رُوحُ ٱللَّهِ صَنَعَنِي وَنَسَمَةُ ٱلْقَدِيرِ أَحْيَتْنِي»(أيوب 33: 4).

  • إننا «نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ ٱللَّهِ فِي سِرٍّ: ٱلْحِكْمَةِ ٱلْمَكْتُومَةِ، ٱلَّتِي سَبَقَ ٱللَّهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ ٱلدُّهُورِ لِمَجْدِنَا، ٱلَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هٰذَا ٱلدَّهْرِ - لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ ٱلْمَجْدِ. بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ ٱللَّهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ. فَأَعْلَنَهُ ٱللَّهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ ٱلرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ ٱللَّهِ. لأَنْ مَنْ مِنَ ٱلنَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ ٱلإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ ٱلإِنْسَانِ ٱلَّذِي فِيهِ؟ هٰكَذَا أَيْضاً أُمُورُ ٱللَّهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ ٱللَّهِ. وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ ٱلْعَالَمِ، بَلِ ٱلرُّوحَ ٱلَّذِي مِنَ ٱللَّهِ، لِنَعْرِفَ ٱلأَشْيَاءَ ٱلْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ ٱللَّهِ، ٱلَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضاً، لاَ بِأَقْوَالٍ تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ، قَارِنِينَ ٱلرُّوحِيَّاتِ بِٱلرُّوحِيَّاتِ» (1كورنثوس 2: 7 - 13).

الخلاصة:

نستطيع بعد كل ما سبق بيانه، القول إن القرآن تكلم عن سر الثالوث الأقدس كما تُعلِّم به المسيحية الصحيحة. فقد ذكر القرآن: الله، وكلمته، وروحه، وهذه هي الأقانيم الإلهية، الواحدة الذات والجوهر. ولقد كان كلامه بهذه الطريقة مصادقةً منه على صحة عقيدة التثليث المسيحية التي لا تنافي العقل، ولا تقول بتعدد وإشراك، وإنما هي العقيدة المثلى للإيمان الحق بالله تعالى، إذ توضح لنا أسرار محبته وعدله ورحمته.

وعليه فقد رأينا في الأبحاث السابقة كيف نظر الإسلام إلى العقيدة المسيحية في الله تعالى، وعلقنا على أقواله بما يوصلنا إلى النتائج الآتية:

  1. التثليث الذي حاربه الإسلام، هو غير التثليث المسيحي، وهو تثليث مبتدَع، يقول بالولادة التناسلية، والتعدد في الذات الإلهية، مما تبرأ منه المسيحية وتكفّر كل القائلين به.

  2. أثبت علماء الإسلام ومحققوه للمسيحية فكرتها الصحيحة عن الثالوث، فتكلموا عنه معلنين أن هذه العقيدة المسيحية هي غير عقيدة التثليث المغلوطة التي كانت قد ظهرت عند ظهور الإسلام فندد بها القرآن، واجتهد في إظهار ما بها من الضلال. ولقد سبقته الكنيسة في ذلك، فحرمت شيعة هذا المذهب المبتدع، وحظرت أتباعه، ولا يزال موقفها معهم إلى اليوم موقف المنكر لما يعتقدون.

  3. نظر الإسلام إلى المسيحيين وتكلم عنهم كقوم موحّدين، فوعدهم بالأجر والثواب، ووصفهم بالآمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنهم يسارعون في الخيرات، ويؤمنون بالله واليوم الآخِر، وحَقَن دماءهم، فكان بذلك مميِّزاً لهم عن المشركين الذين أحلّ دماءهم، ووعدهم جهنم وساءت مصيراً.

  4. تكلم الإسلام عن سر الثالوث الأقدس كما تُعلِّم به المسيحية، فتكلم عن الله بما يلزم معه أن يُنعت بالآب. وعن المسيح كلمة الله الأزلي، وصرح أن هذا الكلمة قد صدر من الله، بما يحتم أن يكون المسيح والله ذاتاً واحدة، لأن كل شيء في الله واحد. وعن الروح القدس كأنه همزة الوصل بين الله والمسيح وبين الخالق والمخلوق.

وحسبنا هذه من حقائق دامغة.

الباب الرابع: المسيح

وفي هذا الباب نتناول ستة فصول:

مقدمة:

1 - أسماء المسيح الحسنى وألقابه التي ذكرها له القرآن.

2 - الحقائق الخاصة بحياة المسيح في ذاتها.

3 - شهادة القرآن للمسيح بالكمال الأخلاقي.

4 - شهادة القرآن للمسيح بقدرته الفائقة الطبيعة.

5 - نسبة الحقوق الإلهية للمسيح.

6 - المسيح الإنسان.

مقدمة

المسيح هو جوهر الديانة المسيحية، ونقطة ارتكاز إيمانها. وكل تعليم يمس أيّ وجه من وجوه العقائد في شخصية المسيح الممجدة يمس الديانة المسيحية في صميمها. كما أن كل تعليم يؤيد عقائد الإيمان المسيحي عن ذات المسيح القدوسة يؤيد المسيحية، ويصادق على صحة معتقدها فيه وإيمانها به.

ولقد يعد أمراً عجيباً أن نقول إن الإسلام يقدس ذات المسيح تقديساً تاماً، ويصادق على جميع عقائد الديانة المسيحية عن شخصه المبارك، بما يُعدّ شهادة قوية على صدق تعليمها عنه، ودليلاً ناطقاً يؤيد ما تعلم به عن ألوهيته ورفعته وكفارته، وموته وقيامته، وصعوده إلى السماء، ومجيئه العتيد.

ولكن وإن عُدّ هذا أمراً غريباً فهو الحقيقة المقررة الثابتة.

المسيح إله حق وإنسان حق

هذه هي العقيدة المسيحية الصحيحة عن ذات المسيح، وهذا أيضاً ما يعلّم به القرآن عنه، فإن أول ما يلفت نظر مطالعه أنه ينسب للسيد المسيح ما هو خاص بذات الله تعالى، وما هو خاص بطبيعة الإنسان. فهو يدعوه كلمة الله وروحه، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، ويخلق من الطين كهيئة الطير فيكون طيراً، في الوقت الذي يقول فيه عنه إنه لن يستنكف أن يكون عبد الله، وأنه كان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.

والمسيح - الذي هو كلمة الله وروح منه، هو في الوقت ذاته، رسول الله وعبده واحد لا نظير له. وحمل المتعارضات على شيء واحد، من جهة واحدة، محال، إذ لا يمكن منطقياً للشيء الواحد أن يكون ولا يكون معاً، كما لا يمكن للشيء الواحد أن يكون أبيض وأسود في وقت واحد. فالقرآن يقول عن المسيح إنه كلمة الله وروح منه، ثم يقول إنه إنسان يحتاج إلى الطعام والشراب، وهذان شيئان متعارضان لا يمكن تطبيقهما على المسيح من جهة واحدة، لأنه مسيح واحد، يقال عنه شيئان متعارضان.

فالقرآن قال إن في المسيح شيئاً إلهياً وشيئاً بشرياً. ولا شك أن كلا هذين الشيئين هما الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية.

أما كيف يشرح القرآن هذا الأمر ويجلوه، وكيف أقرَّ باجتماع هاتين الطبيعتين المتقابلتين في شخص المسيح، فهذا ما سنشرع في بيانه وإثباته في هذا الباب.

المسيح الإله

تعتقد المسيحية أن المسيح (من حيث هو كلمة الله وروح منه) هو الله، باعتباره الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس للذات الإلهية، الواحدة الجوهر والعدد. والإسلام لا ينكر هذه العقيدة، ولا يرفض القول بلاهوت المسيح، بل إنّه يؤيده بأدلة عديدة، وآيات كثيرة.

الفصل الأول: ألقاب المسيح في القرآن

لقَّب القرآن المسيح بألقاب لم ينعت بها أحداً غيره ممن ذكرهم في سُوَره وآياته، ولا يصح إطلاقها على بشري مخلوق مهما سما قدره، لما لها من الاتصال المباشر بذات الله القدوسة. وهذه الألقاب هي:

1 - المسيح كلمة الله

«إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ» (سورة آل عمران 3: 45، 46). وجاء أيضاً: «إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرَوُحٌ مِنْهُ» (سورة النساء 4: 171).

فالإسلام تكلم في هذه الآيات عن المسيح بما تتكلم به عليه المسيحية. فالقرآن يدعو المسيح كلمة الله، والإنجيل يقول عنه: «فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ، وَٱلْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ ٱللَّهِ، وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللَّهَ... وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ ٱلآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً» (يوحنا 1: 1، 14). وإنّ في اعتراف القرآن بأن المسيح كلمة الله إقرار صريحٌ منه بلاهوت المسيح، ومصادقة منه للمسيحية على اعتقادها فيه.

ولقد ذهب بعض المفسرين في تفسير هذه الآيات الثلاث مذاهب أخرجتها عن معناها الصريح، فحوّلوا الحقيقة إلى مجاز، سالكين سلوكاً كله تعنّت وتكلّف، ما كان أغناهم عنه لو أرادوا الحق. فنرى الرازي يقول في تفسير آل عمرن 3: 45 إن المسيح دُعي كلمة الله: «لأن السبب المتعارف كان مفقوداً في حق عيسى عليه السلام، وهو الأب. فلا جرم إن كان إضافة حدوثه إلى الكلمة أكمل وأتم، فجعل بهذا التأويل كأنه نفس الكلمة، كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يُقال فيه على سبيل المبالغة إنه نفس الجود ومحض الكرم وصريح الإقبال. فهكذا هنا» (الرازي مجلد 3 ص 676). وقال في تفسير النساء 4: 171: «أي أنه وُجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة ولا نطفة» (الرازي مجلد 3 ص 512). وقال البيضاوي في تفسيره: «كلمته ألقاها» أي أوصلها إليها وحصلها فيها (البيضاوي ص 219). وتفسير الجلالين كلمته: «أوصلها إلى مريم» (الجلالين ص 158).

وحاصل هذه التفاسير أنهم يقصدون بكلمة الله هنا اللفظ. ولكن الذي تصرّح به الآيتان غير ذلك بالمرة. فهما صريحتان في القول إن كلمة الله التي ألقاها إلى مريم ليست لفظاً يقرع الأسماع ثم يذهب مع الريح، بعد أن يدل على معنى يريده المتكلم، بل تصرحان بأن الكلمة شيء له قيوميته في ذاته كما يقول الإنجيل الطاهر.

لقد سبق القرآن فقال في بشارته لزكريا بيحيى: «يا زكريا إن الله يبشرك بيحيى، مصدقاً بكلمة من الله». فالكلمة الذي هو من الله، وصدق به يحيى، هو المسيح، الذي جاء يحيى إلى العالم ليبشر بملكوته، ويهيّئ له الطريق.

فالكلمة الذي جاء ذكره في بشارة زكريا هو نفس الكلمة الذي بُشِّرت به مريم، وهو مسمَّى ذكر، عاقل، كائن قائم بذاته. وقد كفانا القرآن مؤونة التدليل على صحة هذا الرأي بقوله: «بكلمة منه اسمه» فهو لم يقل اسمها، مع أن الكلمة مؤنث، دلالة على أن هذه الكلمة ليس لفظاً، بل شخصاً قائماً بذاته، إذ لو كان المقصود من الكلمة اللفظ لعاد الضمير عليه مؤنثاً، أما وقد عاد الضمير عليه مذكراً، فهذا دليل على أن المقصود ليس اللفظ، بل مسمى «اسمه المسيح عيسى ابن مريم».

وقد ذهب بعض المفسرين هذا المذهب، فقالوا إنه يُراد بالكلمة شخص قائم بذاته، ولكنهم فسروا ذلك تفاسير لا تناسب هذا القول، ولا تتفق وصريح القرآن، ولذلك ضربنا عنها صفحاً.

والمنطق يقودنا بموجب نص هذه الآيات إلى إثبات لاهوت المسيح منها، فمن المسلَّم به أن الله أزلي، وأن القِدم صفة خاصة به وحده جل شأنه، كبقية صفاته الحسنى كالعِلم والحياة والكلام. فكل ما يتعلق بذات الله تعالى أزلي غير محدث، فلا بد من أن يكون كلمة الله أزلياً، وهذا واضح من قول القرآن: «ألقاها (والإلقاء عندنا معناه التجسد) إلى مريم». أي أن هذا الكلمة كائن من قبل أن يُلقى إلى مريم. وإذاً يكون المسيح أزلياً، لأنه بحسب منطوق هذه الآيات «كلمة الله».

فإذا ثبت أن المسيح أزلي، لأنه كلمة الله، وثبت أنه لا أزلي سوى الله، وجب أن يكون المسيح هو ذات الله جل شأنه. وهذه نتيجة لازمة، لا مفرَّ من التسليم بها، ولا خلاص من الاعتراف بما توجبه. وهذا هو اعتقادنا نحن المسيحيين في الله وكلمته.

وأما قول الرازي: إن المسألة هنا قُصد بها المبالغة، فقول مردود، ولا محل للأخذ به، لأن الآية لا تتحدث عن فضيلة كالجود والكرم والإقبال كما شط به قلمه، وإنما هي مجرد إعلان لحادثة وقعت.

وزيادة على هذا فإن آدم حسب نص القرآن يشترك مع المسيح في وجوده بكلمة الله وأمره من غير واسطة متعارفة، ولا نطفة. كما جاء في قوله: «إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ (أي خلق آدم) مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (سورة آل عمران 3: 59). فلنا هنا أن نسأل الرازي، ومن رأى رأيه: لِمَ لمْ تُستعمل هنا المبالغة لآدم؟ ولماذا لم يقل القرآن عن آدم إنه كلمة الله، أو كلمة من الله، كما قال عن المسيح؟

إن وجه التماثل في هذه الآية، بين آدم والمسيح، هو أن ظهور كلمة الله إلى العالم كان متعلقاً بإرادة الله، كخلق آدم. إذ كما أحب الله وأراد فخلق آدم من تراب، بلا أب، وبلا أم، شاءت محبته أن يكون كلمته الأزلي إنساناً اسمه المسيح عيسى ابن مريم، دون أن يكون له أب بشري.

ثم إنه لو لم يكن المسيح هو ذات كلمة الله، وكان موجوداً بأمر الكلمة فقط، كما يدَّعون، لما كان هناك ما يدعو إلى ذكر لفظة «منه» للدلالة على صدوره من الله رأساً، لأنه لو صحَّ هذا الزعم لما كان المسيح «منه» أي من الله، بل لأضحى مخلوقاً من العدم، وهذا يناقض الآيات الثلاث.

ولو كان المسيح قد سُمي كلمة الله لأنه خُلق بقوة كلمته، لما كان هناك تمايز بينه وبين سائر المخلوقات التي خُلقت بأمره تعالى، وليس ذلك من الصواب في قليل أو كثير. ولو صحَّ، لما قام لوصف المسيح في القرآن ب «كلمة الله» معنى يميزه عن الخلق الذين وُجدوا بقوة كلمته.

وإذاً لا شك في أن المسيح هو ذات كلمة الله، وبعبارة أخرى هو ذات الله، لوحدة الطبيعة الإلهية، وبحكم أن الكلمة صدر من الله بغير طريق الخلق والإبداع.

وإذاً فالقرآن قد أقرَّ لنا بلاهوت المسيح بدعوته إياه «كلمة الله».

ومن الأمور البديهية أن يكون في الولد شيء من طبيعة أمه وأبيه، وبما أن المسيح هو كلمة الله، وله جوهر الله تعالى، وقد حل في العذراء مريم، فهو إذاً يشاركها في إنسانيتها وطبيعتها البشرية ومن ثمَّ ألحق القرآن بالمسيح ما هو خاص بذات الله، وما هو خاص بالإنسان.

2 - المسيح روح الله

هذا هو اللقب الثاني من الألقاب المجيدة التي اعترف بها الإسلام للمسيح. فقد جاء: «يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرَوُحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ ٱنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَى بِٱللَّهِ وَكِيلاً» (سورة النساء 4: 171).

وخلاصة تفسير هذه الآية، كما أورده الإمام الرازي هي «روح منه» في وجوه شتى منها:

الأول: إنه من نفخة جبريل، والمراد منه قوله «منه» التشريف والتفضيل كما يُقال: هذا من نعمة الله.

الثاني: إنه كان سبباً لحياة الخلق في أديانهم. ولما كان كذلك وُصف بأنه روح.

الثالث: «روح منه» أي رحمة منه، فلما كان عيسى رحمة من الله على الخلق من حيث أنه كان يرشدهم إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم، لا جرم سُمي روحاً منه.

الرابع: قوله «روح» أدخل التكبير في هذا اللفظ لإفادة التعظيم، فكأن المعنى «وروح منه» أي روح من الأرواح الشريفة العالية القدسية، ومع ذلك فهو رسول من رسل الله، فآمِنوا به كإيمانكم بسائر الرسل، ولا تجعلوه إلهاً.

وفسّر البيضاوي هذه الآية بقوله: «وروح منه» ذو روح صدر منه لا بتوسُّط ما يجري مجرى الأصل والمادة له. وقيل سُمي روحاً لأنه كان يحيي الأموات والقلوب.

وتفسيرها في الجلالين: يا أهل الإنجيل لا تتجاوزوا الحد في دينكم، ولا تقولوا على الله إلا القول الحق من تنزيهه عن الشرك والولد «إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها» أوصلها إلى مريم، وروح أي ذو روح منه أُضيف إليه تعالى تشريفاً وليس كما زعمتم ابن الله أو إلهاً.

هذا هو النص، وهذه هي خلاصة تفسيره، ولكننا نقول إن النتيجة التي يخرج بها من اطلع على النص وتفسيره هي أن الإسلام يشهد شهادة ناطقة صريحة بأن المسيح إله حق، حسب ما تُعلِّم به المسيحية وتعتبره أساس إيمانها القويم. فالقرآن يدعو المسيح كلمة الله وروحاً منه، وهذا يدفعنا إلى أنْ نتساءل: أكان الله قبل أن يبدع هذا العالم ذا روح وكلمة، أم لم يكن كذلك؟ فإن قيل هو روح وكلمة منذ الأزل، قلنا أهُمَا ذات الله أم غيره؟ فإن قيل هما غيره، قلنا، إذاً فمع الله اثنان، ومن كان معه غيره فهو ليس واحداً. وهذا باطل. وإن قيل: إن الروح والكلمة مخلوقان وليسا موجودَيْن منذ الأزل، كان هذا مناقضاً للاعتقاد في الله تعالى من أنه الكائن الأزلي الحي الناطق، لأننا لم نصفه بهذه الصفات إلا لأننا نعتقد فيه الحياة والنطق منذ الأزل، وليس من سبيل للاستدلال على الحياة والنطق إلا بالروح والكلمة، لأن الروح جوهر الحي، والكلمة كنه الناطق. فلم يبق والحالة هذه إلا أن نقول إن الروح والكلمة هما ذات الله، لهما صفاته كلها، دون تعدد أو انفصال حتى نتقي شر الشرك به تعالى، والطعن في ذاته المقدسة الكاملة بحرمانها النطق والحياة حيناً من الزمن.

وبما أن الإسلام لقَّب المسيح بأنه كلمة الله وروح منه، فليس أمامنا إلا الاعتراف بأن المسيح هو الله سبحانه وتعالى. وهذا هو المعنى المعقول المقبول الذي لا يمكن استنباط غيره من قول القرآن إن المسيح «روح منه» فهذا تعبير يبرهن أن الكلمة الذي ألقاه الله إلى مريم هو إله حق من ذات الله وجوهره، إذ لا يمكن أن يكون المسيح من روح الله إلا إذا كان من جوهره. فهو إذاً إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق.

ثم أن المنطق نفسه يقودنا كما قادنا في دعوة القرآن للمسيح بأنه «كلمة الله» إلى ضرورة الاعتقاد بألوهية المسيح ما دام هو من روح الله، لأن «روح الله» لا بد أن يكون أزلياً كالذات الإلهية، والأزلية كما هو مسلّم به من صفات الله الخاصة به دون سواه.

فما دام المسيح هو كلمة الله وروح منه، فهو إذاً أزلي، كائن قبل حلوله في مريم. فإذا ثبت هذا فلن يكون المسيح غير الله تعالى. ومما يؤيد هذا أنه ما من بشري آخر قد لقَّبه القرآن بهذا اللقب غير المسيح، فجميع الأنبياء بلا استثناء ليس بينهم من أَوْلاه القرآنُ شرفَ هذا اللقب العظيم، ودعاه روحاً من الله.

ولقد ذهب البعض خطأً إلى أن ما قيل عن المسيح في هذا الصدد قيل أيضاً عن آدم، المسلّم بأنه لم يكن إلا بشراً سوياً، فهللوا وكبّروا زاعمين أننا أخطأنا الاستدلال على ألوهية المسيح من هذا النص. على أننا عندما نتأمل ما قيل عن آدم نجده يختلف اختلافاً بيِّناً عما قيل عن المسيح. فما ذكره القرآن عن آدم هو أن الله خلقه وسوَّاه ثم خاطب الملائكة في شأنه قائلاً «ونفخت فيه من روحي» وشتان ما بين القولين: إنّ المسيح «روح منه» تعالى، وإنّه نفخ في آدم «من روحه».

وإذا قارنا ما قيل عن آدم في أمر خلقه، حسب نص القرآن، وبين ما قيل عن إلقاء الكلمة إلى مريم، لرأينا أن التعبير الذي استُعمل عن آدم كالتعبير الذي استُعمل عن مريم، كما جاء في سورة الأنبياء 21: 91: «وَٱلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا»، وضمير الغائب في «فرجها» يعود على مريم التي قبلت النفخ، كما أن ضمير الغائب في «فيه» (ونفخت فيه من روحي) يرجع إلى آدم الذي قَبِلَ ذات النفخ، أو ما يشبهه تمام الشبه. فلو كان المسيحيون ألّهوا العذراء مريم، لأن الله نفخ فيها من روحه لصحّ احتجاج القائلين: إن ما يطلقه القرآن على المسيح من أنه «روح من الله» يصح إطلاقه على آدم أيضاً. أما وأن التعبير الذي استُعمل عن المسيح هو غير التعبير الذي استُعمل عن آدم، فليس هناك محل للتشابه!

والخلاصة إذاً أن هذا اللقب الذي أعطاه الإسلام للمسيح قد ميّزه به عن سائر البشر، بمن فيهم الأنبياء والرسل، فهو شهادة ناطقة بلاهوته الممجَّد، الواجب له تقديس وعبادة، دون التفرقة بينه وبين الله الآب والروح القدس في العدد، لأن كل شيء في الله واحد.

ولو تأملنا جيداً ما جاء في سورة النساء 4: 171 لما وجدنا فيها ما يناقض هذه النتيجة المنطقية اللازمة. بل نجدها تؤيدها كل التأييد.

وفي هذه الآية خمس نقاط:

  1. النهي عن الغلو في الدين.

  2. إن المسيح رسول الله.

  3. النهي عن القول بثلاثة آلهة.

  4. التعليم بوحدانية الله تعالى.

  5. التعليم بأن الله ليس له ولد.

علاوة على نقطة سادسة هي أن المسيح كلمة الله وروح منه، وقد سبق أن عالجنا هذه النقطة. ونحن نعلن هنا أننا نوافق القرآن في كل ما ذكره في هذه الآية نقطة نقطة.

(أ) نحن نعتقد أن الغلو في الدين خطأ جسيم. والغلو هو تجاوز الحد ونحن نبطل كل ما يتجاوز حده، لأن الإيمان عماد الدين وكل ما يأمر به الدين، أو ينهى عنه، ولا يكون موافقاً للعقل، هو عندنا من باب الغلو المرفوض منا، لا نؤمن به، ولا ندعو إليه، لأن الإيمان والعقل صنوان وأخوان لا يتنافيان، إذ الله مصدرهما كليهما، ومبدأ كل منهما، ونحن نعتقد بعدم وجود منافاة بين أعمال الله وأقواله.

حقاً أن العقل لا يحيط علماً بكل ما جاء به الوحي الإلهي، ولكننا لا نجد في الإيمان به شيئاً يضاد العقل أو يجافيه.

(ب) نحن نعترف أن المسيح رسول الله، ونرى أنه ليس في هذا الإقرار والإعلان ما يضير العقيدة المسيحية، أوما ينفي ألوهية المسيح. فإن المسيحية تعتقد أن المسيح هو ابن الله، ورسول الآب من السماء معلنة أنه «لَمَّا جَاءَ مِلْءُ ٱلزَّمَانِ، أَرْسَلَ ٱللَّهُ ٱبْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ ٱمْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ» (غلاطية 4: 4).

والمسيحيّة لم تر منذ نشأتها، في اعتبار المسيح رسولاً، ما ينفي لاهوته الممجد. والإنجيل مفعم بأقوال المسيح التي اعتبر فيها نفسه رسولاً لأبيه إلى العالم (يوحنا 3: 17، 4: 34، 5: 23، 36، 6: 44، 9: 4، 10: 36، 11: 42).

بل إن الإنجيل كله يدور حول هذا المحور، وهو إرسالية المسيح إلى العالم ليمنحه حياة، ويبدد ما يحيط به من ظلمات الجهل، ويحرره من سلطان عبودية الخطية القاسية.

أيّ تناقض بين بنوّة المسيح لله وبين إرساليته إلى العالم؟ ولماذا تُعتبر رسالته ناقضة لحقيقة لاهوته؟ أفلا يرسل الأب ابنه مندوباً عنه لإتمام مأمورية عظمى لا يستأمن عليها خدمه ووكلاءه؟ أَوَليس هذا بعينه ما تم في المسيح، وهو أن الآب أرسله إلى العالم، وهو ابنه الوحيد، ليتمم بشخصه الفداء الذي لم يكن ممكناً لملاك، ولا لرئيس ملائكة، أن يتممه بما يوفي حقوق العدل والرحمة معاً، ويبرر الإنسان، مع الاحتفاظ ببر الله وعدله؟ وهذا بعينه ما أعلنه لنا المسيح في مثل الكرام الذي قال فيه: «إِنْسَانٌ رَبُّ بَيْتٍ غَرَسَ كَرْماً، وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَبَنَى بُرْجاً، وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ. وَلَمَّا قَرُبَ وَقْتُ ٱلأَثْمَارِ أَرْسَلَ عَبِيدَهُ إِلَى ٱلْكَرَّامِينَ لِيَأْخُذَ أَثْمَارَهُ. فَأَخَذَ ٱلْكَرَّامُونَ عَبِيدَهُ وَجَلَدُوا بَعْضاً وَقَتَلُوا بَعْضاً وَرَجَمُوا بَعْضاً. ثُمَّ أَرْسَلَ أَيْضاً عَبِيداً آخَرِينَ أَكْثَرَ مِنَ ٱلأَوَّلِينَ، فَفَعَلُوا بِهِمْ كَذٰلِكَ. فَأَخِيراً أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ٱبْنَهُ قَائِلاً: يَهَابُونَ ٱبْنِي!» (متّى 21: 33 - 37).

ولنلاحظ بنوع خاص أن المسيح ختم هذا المثل بقوله: «أخيراً أرسل إليهم ابنه».

كان الله يريد أن يعلن ذاته للبشر ليعرفوه كما هو، وليعرفوا إرادته المقدسة للعيشة في القداسة والسلام. وقد أرسل الأنبياء الواحد تلو الآخر، ولكن إرساليتهم لم تكن كافية لإتمام ذلك الإعلان. وأخيراً أرسل الله ابنه إلى العالم، وفيه قد حدّثنا بكل شيء، وأعلن لنا الأسرار الخفية عن الله، التي لم يكن العلم ليدركها لو لم يرسل الابن نفسه إليه ويعلنها له، وهذا ما أشار إليه الرسول قائلاً: «اَللَّهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ ٱلآبَاءَ بِٱلأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هٰذِهِ ٱلأَيَّامِ ٱلأَخِيرَةِ فِي ٱبْنِهِ - ٱلَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ، ٱلَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ ٱلْعَالَمِينَ. ٱلَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ ٱلْعَظَمَةِ فِي ٱلأَعَالِي، صَائِراً أَعْظَمَ مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ ٱسْماً أَفْضَلَ مِنْهُمْ» (عبرانيين 1: 1 - 4). وهو بعينه ما قصده يوحنا الإنجيلي بقوله: «وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ ٱلآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً... اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلٱبْنُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ ٱلآبِ هُوَ خَبَّرَ» (يوحنا 1: 14، 18).

إذاً فإعلان الإسلام لوظيفة المسيح كرسول لا ينفي قط ألوهية المسيح. وقد أعلنت المسيحية في مواضع كثيرة غير التي ذكرنا أن المسيح رسول وإله معاً، ولم تر في الجمع بينهما تعارضاً ولا شيئاً من التناقض، والإسلام بما أورده في النص السابق إنما كان مصادقاً للمسيحية في هذا، إذ أثبت للمسيح وظيفته كرسول كما أثبت لاهوته، إذ دعاه كلمة الله وروحاً منه.

(ج) النهي عن القول بثلاثة آلهة: الإسلام بقوله: «ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم» لم يمس المسيحية في أي وجه من وجوه عقائدها كما ظن بعض ذوي النظر المتسرع القصير، فليس في هذا التعليم ما يطعن في العقيدة المسيحية أو ينفي تعليمها بلاهوت المسيح، فالحقيقة التي تبدو جلية أن ليس هناك طعن أو انكار. فنحن نؤمن بإله واحد ضابط الكل خالق السموات والأرض، ونشجب كل من يقول بثلاثة آلهة. وأنّ الذي تنفيه هذه الآية إنما هو القول بثلاثة آلهة، أو بالحري الإشراك، وهذا تتبرأ منه المسيحية كل البراءة. والإسلام في تعليمه عن وحدانية الله يقف بجانب المسيحية جنباً إلى جنب، ويؤيدها فيما تذهب إليه من العقيدة في الله كما سبق بيان ذلك في الكلام عن التثليث. فإنكار التعدد، وإثبات الوحدانية لله تعالى هو نفس ما تعلم به المسيحية.

(د) التعليم بوحدانية الله: قوله: «إنما الله إله واحد»: هو العقيدة المسيحية في الله، كما نرى في قول الرسول يوحنا: «ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي ٱلسَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: ٱلآبُ، وَٱلْكَلِمَةُ، وَٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ. وَهٰؤُلاَءِ ٱلثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ» (1يوحنا 5: 7). وهو القول الذي يعلن التثليث كتعليم لا يناقض التوحيد، ولا يتنافى معه، وهذه بسملتنا التي يستعملها المسيحيون من قديم الزمان: «باسم (وليس بأسماء) الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد» دليل على أن المسيحيين لم يقدهم إيمانهم بلاهوت المسيح إلى الشرك بالله، ولا للاعتقاد بثلاثة آلهة، وهو الاعتقاد الذي يحاربه الإسلام في هذا النص وفي غيره مما يشبهه.

(هـ) التعليم بأن الله ليس له ولد: قوله «ليس له ولد» هو أيضاً معتقد المسيحية، التي تعلمنا أن الله منزّه عن أن يكون له صاحبة وولد على شكل البشر. وحاشا لنا نحن المسيحيين أن نكون وثنيين فننسب لله ذلك. فإذا قلنا إن المسيح ابن الله لا نقصد توالداً جنسياً من جانب الله تعالى، ولا بنوّة تناسلية من جانب المسيح له. إنما نقصد بنوّة روحية، صدر فيها الكلمة عن الله صدوراً عقلياً محضاً. فإذا قلنا إن المسيح ابن الله فإنما نريد بنوّة أقنومية باعتبار أن الله يعقل ذاته، وأنّه عقل وعاقل ومعقول في كائن واحد.

والخلاصة أن هذا النص بجملته ليس فيه ما ينفي لاهوت المسيح، أو يطعن في عقيدة المسيحية فيه. وكل ما جاء من الاعتراض كان موجهاً ضد آراء مبتدَعة تتبرأ منها المسيحية قبل أن يلومها الإسلام.

ولا شك في أن الخطاب كان موجَّهاً في هذه الآية إلى قوم كانوا قد خرجوا على تعاليم المسيحية الصحيحة، تابعين تعاليم مضلة، كما يبدو ذلك لكل من يطلع على التاريخ.

وإذاً يحق لنا أن نقول إن هذا النص وما يشابهه برهان قوي على صدق تعليم المسيحية عن لاهوت المسيح، إذ هو يتكلم عنه ككلمة الله وروح منه، وفي الوقت ذاته لا يمس تعليم المسيحية عن هذا بشيء ما. إن هذا النص والتفاسير الواردة بشأن هذا اللقب جميعها تؤدي شهادة قوية لحقيقة الإعتقاد في لاهوت المسيح الممجد.

3 - المسيح

جاء في سورة آل عمران 3: 45، 46: «إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ» ولنلاحظ أولاً أن القرآن هنا قد قال: «اسمه المسيح» ولم يقل يسمونه، مشيراً بذلك إلى تقرير تلك التسمية من الله دون علاقة البشر بها. ويحق لنا أن نتساءل: هل أخذ القرآن الاسم ممن سبقوه، أم أنه ذكره من قبيل الإلهام؟ إنّ القرآن لا يشير إلى شيء من ذلك، كما أنه لا يوضح معنى هذا اللقب العجيب. وقد خلط المفسرون في شرحهم إياه، وذهبوا فيه مذاهب شتى.

وإتماماً للفائدة نبيّن بعض معاني هذا اللقب لغة:

جاء في المعاجم أن هذا الاسم يطلق على القطعة من القصة، والعرق والصديق، والدرهم الأملس الذي لا نقش عليه، والكثير السماحة، والممسوح بمثل الدهن وبالبركة، ولُقب به عيسى ابن مريم لأن الله مسحه كاهناً ونبياً وملكاً. وجَمْعه مسحاء ومسحى.

وهو في العبرانية «مشيخ» وفي السريانية «مشيخو» وفي اليونانية «خرستس».

ولسنا بحاجة إلى القول إن هذا اللقب انفرد به المسيح وحده في القرآن دون بقية الأنبياء والمرسلين، فلم يُمنح هذا اللقب السامي نبي سواه، مما يدل على امتياز المسيح الخاص، واعتراف الإسلام له بهذا الامتياز، ويدل أيضاً على أنه نُدب للقيام بعمل أهم من أعمال الأنبياء والمرسلين يميزه عنهم أجمعين. ومن يمتاز عن البشر كلهم بمن فيهم الأنبياء والرسل بأسرهم يجب أن يكون قد ارتفع عن طبقة البشر، بمقدار ما ورث اسماً أفضل منهم. وليس هناك إلا كائن واحد لاسواه يسمو على جميع البشر وهو الله سبحانه وتعالى، الذي له الكرامة والمجد والسلطان.

وإن في إقرار الإسلام للمسيح بهذا اللقب وانفراده به لدليل على مقامه الممتاز عن البشر، وسائر الأنبياء والرسل، واعتراف منه له بلاهوته ذي الجلال والإكرام.

وإنّا لنرى أن القرآن لم يوضح معنى هذا اللقب إعتماداً منه على ما ورد عنه في الإنجيل الشريف، والذي يأمر في أكثر من محل إلى مطالعته والعمل بما فيه.

ولكننا نلاحظ في أقوال المفسرين شعورهم الملموس بصعوبة إدراك المعنى العظيم الذي ينطوي عليه لقب المسيح. وهذه الصعوبة بادية في كثرة التفسير والذهاب به مذاهب عديدة. ولو كان المعنى ظاهراً أمامهم لتوجَّهوا إليه رأساً، ولكن لا عجب في أن يشعر المفسرون بصعوبة التأويل، وهم يرون أن هذا اللقب السامي يشير إلى مقام المسيح الجليل، ويرفعه عن طبقة البشر، في حين أنهم لا يريدون أن يقرّوا لنا بهذا صراحة، وإن كانوا قد أقروا ضمناً. فهذا الإمام الرازي وان كان لم يذكر تأويل هذا اللقب صريحاً كما يدل عليه. وكما هو معروف لدى أتباع المسيح لا تخلو تفاسيره من إقراره للحقيقة التي تنادي بها المسيحية إزاء هذا اللقب الممتاز. فهو في تفسيرين من تأويلاته اعترف للمسيح بشخصية معصومة بريئة من الذنوب والآثام. وفي التفسيرين الآخرين اعترف له بمسحته الخاصة التي بناءً عليها سُمِّيَ مسيحاً. فقال أولاً إنه سُمّي المسيح لأنه مُسح من الأوزار والآثام، ولأن جبريل مسحه بجناحه وقت ولادته ليكون ذلك صوناً له عن مس الشيطان. فهنا اعترف الرازي أن المسيح قد أُعطي هذا اللقب لأنه كان معصوماً من الأوزار والآثام، ولأنه كان مصوناً من مسّ الشيطان له بشيء ما من الخطايا أو الهفوات.

وعندما نقارن هذا الاعتراف بتصريحات القرآن المتعددة، التي قضت على البشر جميعاً بسقوطهم في الخطية وباقترافهم الآثام، نرى أن الإسلام قد رفع المسيح عن طبقة البشر، إذ حكم له وحده بالعصمة والصون من الدنايا، بينما هو يصرح أن العصمة ليست لبشري كائن من كان. وليس هنا مجال للكلام عن حكم الإسلام على البشرية جمعاء بالسقوط في الخطية وارتكاب الإثم، واستثناء المسيح وحده دون سواه. فهذا سيأتي في الفصل الثالث من الباب الرابع في هذا الكتاب. ولكننا نذكر فقط شيئاً قليلاً يشير إلى هذه الحقيقة، فقد جاء في سورة مريم: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا (أي جهنم) كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً» (مريم 19: 71) فهذه الآية حكمت على جميع البشر بورود جهنم. ومعلوم أن العقاب لا يكون إلا لذنب وإلا كان ظلماً، وما ربك بظلاّم للعبيد. فهذه الآية تدل على أن البشر جميعاً معرَّضون للوقوع في أسْر الشهوات والخطايا.

لنقرأ هذه الآية مرة أخرى، ثم لنقرأ بعدها آية سورة آل عمران 3: 36 «وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا (أي المسيح) مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ» ثم نقرأ بعد هذا الحديث الذي تضمن هاتين الحقيقتين معاً سقوط البشر جميعاً، وعصمة المسيح دون سواه. وهو كما أورده البخاري: «كل ابن آدم يطعنه الشيطان في جنبه بأصبعيه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب ليطعنه فطعن في الحجاب».

فإقرار الإسلام بأن البشر جميعاً قد زاغوا وفسدوا، وأنهم مجردون عن العصمة، معرضون لاقتراف الخطايا والآثام، بجانب إقراره للمسيح وحده بالعصمة، وأنه مصون عن مس الشيطان، يرفع المسيح عن طبقة البشر، وبالتالي يقرّ له بلاهوته الممجد.

أما عن التفسيرين الآخرين من تأويلات الرازي فإننا نرى فيهما اعترافاً صريحاً، قد أصاب فيه المفسر وأحسن المقال. فهو يقول في واحد منهما: إنّ اللقب يشير إلى مسحه بالدهن، وفي الآخر إنّه يشير إلى أن تلك المسحة قد حدثت عند خروجه من بطن أمه. وخلاصة القولين ترديد لصدى العقيدة المسيحية، ومطابقة لأقوالها في المسيح الإله، فهذه أقوال الوحي الإلهي عن ذلك «وَأَمَّا عَنْ ٱلٱبْنِ: (فيقول) كُرْسِيُّكَ يَا أَللَّهُ إِلَى دَهْرِ ٱلدُّهُورِ. قَضِيبُ ٱسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. أَحْبَبْتَ ٱلْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ ٱلإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ مَسَحَكَ ٱللَّهُ إِلٰهُكَ بِزَيْتِ ٱلٱبْتِهَاجِ» (عبرانيين 1: 8 ، 9). ويفسر الكتاب زيت الابتهاج في موضع آخر فيقول: «يَسُوعُ ٱلَّذِي مِنَ ٱلنَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ ٱللَّهُ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ وَٱلْقُوَّةِ» (أعمال 10: 38). فهل نغالي إذا قلنا إنّ نص القرآن وتفسيره لا يخرجان عن ترديد العقيدة المسيحية في لاهوت المسيح بعد الذي رأينا من المطابقة بين النص والتفسير، وبين تصريحات الوحي الإلهي في هذا الشأن؟ وهل نبالغ إذا قلنا إن لاهوت المسيح حقيقة يشهد بها الإسلام ويؤيدها؟

الخلاصة:

بهذا ينتهي بنا الكلام عن إثبات لاهوت المسيح من الإسلام بما أثبته له من ألقاب لا يصح إطلاقها على غير ذات الله تعالى، إذ دعاه كلمة الله وروح منه. وكلمة الله وروحه لا بد أن يكونا من جوهره، وأزليين بأزليته. وبما أنه لا تعدد في ذاته تعالى ولا تجزئة، لزم القول بأن كلمة الله وروحه هما ذاته جل شأنه.

الفصل الثاني: الحقائق الخاصة بحياة المسيح

1 - أزلية المسيح

أزلية المسيح هي أول تلك الحقائق التي أثبتها القرآن بقوله «كلمة الله وروح منه»، وبما أن المسيح هو كلمة الله وروح منه فهو إذاً أزلي. وبما أن الأزلية صفة خاصة بالله تعالى، فقد أصبحت دعوة القرآن المسيح بكلمة الله وروح منه إقراراً للمسيح بالأزلية، ومصادقة على عقيدة المسيحيين عن لاهوت المسيح. ويتضح هذا من النظر في قوله: «وكلمته ألقاها إلى مريم». فقول القرآن: «ألقاها إلى مريم» دليل على أن هذا الكلمة كائن قبل أن يُلقى إليها ويولد منها. ووجوده قبل أن يظهر في الجسد يحمل معنى أزليته، والأزلية صفة خاصة بالله تعالى. ولا يمكن أن يكون قد مضى على الله وقت كان فيه بغير كلمة! وإذاً نستطيع القول إن الإسلام قد أقرّ معنا بلاهوت المسيح.

2 - الولادة العجيبة

والحقيقة الثانية التي اعترف بها القرآن هي ولادة المسيح بطريقة سرية عجيبة لم تتم لكائن بشري سواه. فقد أثبت القرآن أن المسيح لم يولد من زرع بشري كالمتَّبع في تناسل جميع الناس بلا فارق أو استثناء، إذ قال في سورة مريم 19: 20 - 21: «قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً». فليس هذا القول إلا مصداقاً لما ذكرته الكتب المقدسة عن ذلك الميلاد العجيب. فالنبي إشعياء يقول في العهد القديم: «وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ ٱلسَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا ٱلْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ٱبْناً وَتَدْعُو ٱسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ» (إشعياء 7: 14). ولوقا الإنجيلي يشرح لنا كيف بشَّر الملاك العذراء بميلاد المسيح، وكيف تمت الولادة بطريقة سرية خارقة للعادة (لوقا 1: 26 - 38).

ومن الخطأ البيّن أن يعتبر البعض خلق آدم شبيهاً بميلاد المسيح، وأن يتخذ تلك المشابهة المزعومة دليلاً ينفي ما في ذلك الميلاد من البرهان على امتياز المسيح المبارك. فآدم خُلق خلقاً ولم يولد ولادة. وآدم خُلق من طين، ولم يُذكر عنه أنه كلمة الله وروح منه. وآدم كان ينبغي أن يوجد من غير أب لأنه كان الأب الأول للبشر، أما المسيح فعند ولادته كانت الأرض قد عُمرت من الآباء الوالدين والأبناء المولودين.

فولادة المسيح لا شبيه لها ولا مثال. والطريقة التي تمت بها تثبت له شخصية خاصة خارجة عن دائرة البشر. وإقرار الإسلام بهذا الميلاد العجيب مصادقة منه على سمو شخصية المسيح وحقيقة لاهوته الممجد.

3 - الصعود إلى السماء

أما الحقيقة الثالثة فهي إقرار الإسلام بارتفاع المسيح إلى السماء دون أن يعبث الموت بجسده الطاهر. فقد جاء في سورة آل عمران 3: 55: «إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ» وقوله في سورة النساء 4: 158: «رَفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ».

فالقرآن بهذه الأقوال أثبت الاعتقاد الخاص بارتفاع المسيح إلى السماء، وأقرّ للمسيحية بصحة تعليمها عن صعود المسيح حياً بعد قيامته من الأموات.

والمسيحية قدمت صعود المسيح إلى السماء برهاناً على حقيقة لاهوته الممجد كما يُرى في أقوال الرسل العديدة. فإقرار الإسلام بهذه الحقيقة إقرار منه بصحة العقيدة المسيحية في لاهوت المسيح.

الخلاصة:

نستخلص مما سبق أنّ الإسلام قد أقرّ بأن المسيح كائن منذ الأزل، موجود قبل أن يولد، وأنه في ولادته قد تخطى الناموس الطبيعي ووُلد بكيفية سرية عجيبة، منفرداً بها عن جميع البشر، وأنه ترك العالم بكيفية ممتازة إذ صعد إلى السماء حياً وبقي فيها خالداً، بينما الكل يموتون وتفسد أجسادهم. ومعنى هذا أن المسيح أزلي أبدي، كائن قبل أن يراه العالم، وهو الآن حي باق.

فإذا كان المسيح دون عامة البشر أزلياً أبدياً، وكانت الأزلية والأبدية من صفات الله الحي القيوم وحده، فإذاً يكون إثبات هاتين الصفتين للمسيح إقراراً بلاهوته.

وما دام الإسلام قد أقرّ للمسيح بهاتين الصفتين، فقد صادق على هذا الحق الذي لا شك فيه.

الفصل الثالث: كمال المسيح الأخلاقي

ذكر القرآن للمسيح مركزاً ممتازاً وخاصاً به في الكمال، فبينما نراه قد سجل على جميع البشر نقصهم الأخلاقي، وسقوطهم تحت سلطان الإثم بلا تفريق بين الأنبياء والرسل جميعاً، نراه قد أقرّ للمسيح بالتنزيه عن الآثام والعصمة من الشرور والخطايا. فالقرآن قد صرّح بأن البشر أجمعين سقطوا تحت سلطان الخطية وكانوا من الآثمين، وهذا واضح من قوله: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً» (سورة مريم 19: 71). كما أنه سجل على جميع الأنبياء سقوطهم في الشر المبين، ماعدا المسيح وحده، فقد أقرّ له بالعصمة والتنزيه.

وها نحن نورد على سبيل المثال شيئاً من تلك التصريحات العديدة التي سجل فيها القرآن خطايا الأنبياء والمرسلين. فقال عن آدم: «وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى» (سورة طه 20: 121). وقال عن نوح: «رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً» (سورة نوح 71: 28). فقد أثبت عليه هنا الاستغفار، ولا يستغفر إلا آثم. كما سجل على إبراهيم الكذب في حادثة تكسير الأصنام، إذ يقول: «فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ... قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَٱسَأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ» (سورة الأنبياء 21: 58 - 63). وكذلك «وَٱلَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ» (سورة الشعراء 26: 82). وأثبت على موسى الضلال بقوله: «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ ٱلضَّالِّينَ» (سورة الشعراء 26: 20). وشهد عن داود بسقوطه العظيم ثم استغفاره وتوبته: «وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ» (سورة ص 38: 24 و25).

ونكتفي بهذا القدر القليل الذي أوردنا على سبيل المثال عن اعتراف القرآن بسقوط الأنبياء والمرسلين، فالإسلام صرّح بنقص البشر الأخلاقي، وسجل على أفاضل الناس وخيرة الأنبياء والمرسلين ارتكاب الأوزار وإتيان الخطايا، وطلبهم الصفح والغفران.

أما المسيح الممجد فالقرآن يرفعه إلى أسمى عليين، ويخلع عليه مقاماً خاصاً ومركزاً ممتازاً، إذ يثبت له عصمته من الآثام وحده دون البشر أجمعين، ويقرّ له بتنزيهه عن الشرور، فلا يسجل له خطية ولا يذكر له وزراً كباقي الرسل والأنبياء. ومن الجهة الأخرى يورد عنه عصمته وكماله، فقد ذكر على لسانه: «وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً» (سورة مريم 19: 31 ، 32). «وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ» (سورة آل عمران 3: 36).

وقال الرازي في تفسيره لكلمة المسيح: «في ذلك مذاهب نأتي بملخص بعضها. منها أنه مُسح من الأوزار والآثام... ومنها أنه مسحه جبريل بجناحه وقت ولادته ليكون ذلك صوناً له عن مس الشيطان». كما قال عند تفسيره آية «وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين» إنه وجيه في الدنيا بسبب أنه مبرَّأ من العيوب، وفي الآخرة بسبب كثرة ثوابه وعلو درجته عند الله (الرازي مجلد 3 وجه 676). وهذه كلها تنطق ببراءة المسيح من الذنوب وعصمته عن الآثام والشرور، وتثبت له في الإسلام مركزاً ممتازاً من جهة كماله الأخلاقي، وتفرد له مقاماً خاصاً من دون البشر جميعاً.

يُضاف إلى هذا، ويؤيده بكيفية قاطعة تلك الأحاديث التي تشهد بعصمته دون جميع الأنبياء والمرسلين، فقد ورد عن أبي هريرة: «سمعت رسول الله يقول ما من مولود من بني آدم إلا نخسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من نخسه إياه إلا مريم وابنها». وروى البخاري هذا المعنى فقال: «كل ابن آدم يطعنه الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب ليطعن فطعن في الحجاب».

وقال الغزالي: «لما وُلد عيسى ابن مريم عليه السلام أتت الشياطين إبليس فقالت: لقد أصبحت الأصنام منكسة الرؤوس. فقال: هذا حادث قد حدث، مكانكم، حتى أتى خافقي الأرض فلم يجد شيئاً. ثم وجد عيسى عليه السلام قد وُلد، والملائكة حافين به، فرجع إليهم فقال: إن نبياً قد وُلد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا حاضرها إلا هذا، فايْأسوا أن تُعبد الأصنامُ بعد هذه الليلة، ولكن ائْتوا بني آدم من قبل العجلة والخفة» (إحياء العلوم للغزالي جزء 3 وجه 37).

وكل هذا إقرار صريح بعصمة السيد المسيح، وانفراده وحده بالعصمة والكمال. ولم يكن الإسلام في هذه الآيات والأحاديث والتأويلات وما يشبهها إلا مصدقاً لما بين يديه في التوراة والإنجيل من الشهادات العديدة عن كمال المسيح وبراءته من كل ذنب أو تجريح فهو «ٱلَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ» (1 بطرس 2: 22). وهو الذي استطاع أن يتحدى خصومه قائلاً: «مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟» (يوحنا 8: 46).

فإذا كان الإسلام قد أقرّ للمسيح بأنه هو الواحد الأحد الذي عاش منذ مهده بريئاً من كل إثم، نقياً من كل دنس، كاملاً معصوماً. في الوقت الذي حُكم فيه على جميع البشر بما فيهم الأنبياء والرسل بالسقوط والتدنس. إذا كان هذا مركز المسيح الأخلاقي في الإسلام، وإذا ذكرنا أن العصمة هي لله وحده المنفرد بالكمال دون شريك أو شبيه، فهل نخطئ حين نقول إن الإسلام يقر للمسيحية بصحة عقيدتها عن لاهوت المسيح الممجد؟

الخلاصة:

ميّز الإسلام المسيح عن جميع البشر واعترف له بالعصمة والكمال، مما يدفع إلى الاعتقاد بلاهوته، لأنه لا كامل إلا الله.

الفصل الرابع: قدرات المسيح الفائقة

1 - العلم بالغيب

جاء على لسان المسيح «وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (سورة آل عمران 3: 49). وفي تفسير الجلالين لهذه الآية أنّه كان يخبرهم بما لم يعاينه «فكان يخبر الشخص بما أكل وبما يأكل بعد». فالنص والتفسير صريحان في أن المسيح كان يعلم الغيب وينبئ بما في الصدور.

وبينما نرى القرآن يقرّ هنا للمسيح بهذه القدرة، نراه في نصوص أخرى عديدة ينكرها على البشر أجمعين بما فيهم الرسل والأنبياء، بلا فارق أو استثناء، كما نراه في نصوص أخرى يثبت أن علم الغيب صفة خاصة به تعالى، وأن هذه القدرة محصورة فيه وحده جل شأنه. وإليك بعض هذه الآيات التي أنكر فيها على الأنبياء والرسل والبشر جميعاً القدرة على علم الغيب وحصرها في الله وحده: «يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ» (سورة المائدة 5: 109). و «وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ» (سورة الأنعام 6: 3). و «وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ... قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ» (سورة الأنعام 6: 48 - 50).

فإذا كان الإسلام قد أقرّ أن علم الغيب خاص بالله وحده، وأقرّ أن المسيح كانت له هذه القدرة. فمعنى هذا أن الإسلام يرفع المسيح عن مرتبة البشر، وفي هذا إقرار منه بلاهوت المسيح. وتلك هي النتيجة المنطقية لتصريحات الإسلام.

2 - قوة الخلق

جاء على لسان المسيح: «أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرَاً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُبْرِئُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِي ٱلْمَوْتَى بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (سورة آل عمران 3: 49). وجاء مثلها في سورة المائدة 5: 110 .

ففي هاتين الآيتين شهادة صريحة واعتراف جلي بإتيان المسيح المعجزات الباهرة، والقيام بالأعمال الخارقة للطبيعة، حتى إنّ الذين كفروا ممن شاهدوا هذه المعجزات قالوا: إنْ هذا إلا سحر مبين.

ومن بين تلك العجائب التي ذكرها القرآن عن المسيح قدرته على أن «يخلق» من الطين طيراً بنفخه فيه. وأنّ الباحث المنصف لا يستطيع أن يواجه شهادة كهذه جاء بها القرآن عن المسيح دون أن يرى فيها إقراراً صريحاً بسمو شخصية المسيح عن طبقة البشر. وعندما نواجه هذه الشهادة بآيات أخرى جاء بها القرآن في نفس الموضوع نجد أنها لا تقف عند حد إثبات امتياز المسيح عن البشر وحسب، ولكنها أيضاً تثبت لاهوته الممجَّد. فالقرآن صرح بأن قوة الخلق هي لله وحده دون سواه. فقال: «قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ» (سورة يونس 10: 34). و «أَوَ لَمْ يَرَ ٱلإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ... أَوَ لَيْسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ» (سورة يس 36: 77 - 81).

فهذه الآيات وما يماثلها أسندت القدرة على الخلْق إلى الله وحده، واتخذت هذه القدرة دليلاً على ألوهيته. فإذا كانت قوة الخلق خاصة من خواص اللاهوت، وآية من آياته، وكان القرآن قد أقرّ للمسيح بهذه القوة والقدرة، فإن النتيجة المنطقية اللازمة هي أن القرآن قد شهد صراحة بلاهوت المسيح.

وقد أيّد القرآن هذا القول بدليل آخر، فهو لم يسجل للمسيح قدرته على الخلق وقوته الإلهية في هذا فقط، ولكنه أقرّ له بالخلق بنفس الطريقة التي خلق بها الإنسان، بقوله في آيتي سورتي آل عمران 3: 49 والمائدة 5: 110 إن المسيح يخلق من الطين، وينفخ فيه فيكون طيراً. وهذا عين ما أعلنه القرآن عن الله في خلقه بقوله «هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ» (سورة الأنعام 6: 2). و «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ» (سورة الأعراف 7: 11 ، 12 وسورة الحجر 15: 28 ، 29 وسورة السجدة 32: 7 ، 9 وسورة ص 38: 71 ، 72).

فالله في هذه الآيات يخلق الإنسان من طين، وينفخ فيه من روحه فيكون بشراً سوياً. والمسيح يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً حياً. فمن يكون المسيح إذاً؟ لا مرية بعد إذ أنه الإله القدير العظيم.

والخلاصة إن الإسلام قد رأى في قوة الخلق، برهان الألوهية والدليل الأكبر الذي يفرّق بين الإله الحقيقي الأزلي والآلهة المنحوتة.

فإذا كان الإسلام بجانب هذا القرار الصريح قد أثبت للمسيح قدرته على الخلق، فليس هناك معنى لهذا الإثبات إلا اعتراف القرآن للمسيح بلاهوته المجيد. وما كان الإسلام في هذا الاعتراف إلا مصدقاً لما ذكره الوحي الإلهي عن المسيح إذ قال: «فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ ٱلْكُلُّ: مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى ٱلأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى... ٱلْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ» (كولوسي 1: 16).

3 - قوة الإحياء من الموت

«وَأُبْرِئُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِي ٱلْمَوْتَى بِإِذْنِ ٱللَّهِ» (سورة آل عمران 3: 49). و «وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي... وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَى بِإِذْنِي» (سورة المائدة 5: 110).

لقد أقام المسيح كثيرين من الأموات، فأحيا لعازر (يوحنا 11)، وأقام ابن أرملة نايين (لوقا 7)، وأقام ابنة يايرس رئيس المجمع (مرقس 5). وقد قال الجلالان في تفسيرهما: «فأحيا عازر صديقاً له، وابن العجوز، وابنة العاشر، فعاشوا ووُلد لهم».

ولا ريب في أن الاعتراف للمسيح بقوة إحياء الموتى إقرار ضمني بلاهوته، لأن قوة الإحياء والإقامة من الموتى خاصة من خواص الله تعالى، وليس له فيها شريك أو قرين، فقد قال: «وَهُوَ ٱلَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» (سورة الحج 22: 66). و «وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» (سورة المؤمنون 23: 80). و «وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» (سورة يس 36: 78 - 79).

تلك تصريحات واضحة بينة على أن إحياء الموتى إنما هو لله وحده دون سواه. فلا يحيي العظام إلا هو جل شأنه. ولقد رأينا أن القرآن أقرَّ للمسيح بأنه أحيا العظام وهي رميم، فمن يكون المسيح إذاً؟ إنّه الله الحي القيوم، المحيي المميت، المبدي المعيد.

ولقد قال المسيح: «لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ ٱلآبَ يُقِيمُ ٱلأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذٰلِكَ ٱلٱبْنُ أَيْضاً يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ... اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ ٱلآنَ، حِينَ يَسْمَعُ ٱلأَمْوَاتُ صَوْتَ ٱبْنِ ٱللَّهِ، وَٱلسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ. لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ ٱلآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذٰلِكَ أَعْطَى ٱلٱبْنَ أَيْضاً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ» (يوحنا 5: 21، 25، 26). وكان المسيح في خطابه هذا يقدم برهاناً على لاهوته.

فنحن إذا قلنا إن الإسلام يقر لنا بلاهوت المسيح لا نكون مفترين، بل إنما نجاهر بالحق.

الخلاصة:

نستخلص مما سبق أن الإسلام أيّد العقيدة المسيحية في لاهوت المسيح بما شهد له به عن قدرته الفائقة الطبيعة، فقد نسب له ما لله من العلم بالغيب، وقوة الإحياء من الموت، مما لا تصح نسبته إلا لله وحده. وفي هذا إقرار من الإسلام بلاهوت المسيح.

الفصل الخامس: نسبة الحقوق الإلهية للمسيح

1 - الشفاعة

جاء في سورة آل عمران 3: 45: «إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ». وقد فسر الرازي هذه الآية بقوله: «وجيهاً في الدنيا» بسبب النبوّة، وفي الآخرة بسبب علو المنزلة عند الله تعالى. بسبب أنه يجعله شفيع أمته، ويقبل شفاعته فيهم». وفي تفسير الجلالين: «وجيهاً» ذا جاه «في الدنيا» بسبب النبوّة «والآخرة» بالشفاعة والدرجات العلا. وفي تفسير البيضاوي: «الوجاهة» في الدنيا النبوّة والتقدم على الناس، وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة.

وقال الزمخشري في كشافه: «الوجاهة» في الدنيا النبوّة والتقدم على الناس، وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة.

أجمع هؤلاء المفسرون على تفسير كلمة «وجيه» الواردة في الآية بالشفاعة. وبينما نرى الإسلام قد أثبت للمسيح هذا الإختصاص نراه أولاً قد أنكر هذا الحق على كل من عداه من البشر بما فيهم الأنبياء والرسل، وثانياً نراه في الوقت نفسه يصرح بأن الشفاعة حق من حقوق الله جل شأنه.

أما عن الأمر الأول فنذكر سورة التوبة 9: 80: «ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ». وقد جاء تفسير الجلالين لهذه الآية ما نصه: «استغفر» يا محمد «أو لا تستغفر لهم» تخيير في الاستغفار وتركه. وقال البيضاوي في تفسيره: «استغفر لهم أو لا تستغفر لهم» يريد به التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم كما نص عليه بقوله «إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم».

وجاء في سورة الفتح 48: 11: «قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً». ويقول تفسير الجلالين لهذه الآية: «قل فمن» إستفهام بمعنى النفي، أي لا أحد يملك لكم من الله شيئاً إنْ أراد بكم ضراً. وفسرها البيضاوي: «قل فمن يملك لكم من الله شيئاً» فمن يمنعكم من مشيئته وقضائه «إنْ أراد بكم ضراً» ما يضركم كقتل أو هزيمة أو خلل في المال والأهل عقوبة على التخلف.

والنتيجة التي لا يمكن استنباط غيرها من هاتين الآيتين وتفسيرهما هي أن الشفاعة من البشر باطلة لا تنفع ولا تُقبل، فمن ذا الذي يشفع عنده، وهو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم؟

هذا عن الأمر الأول، وهو إنكار الإسلام الشفاعة لغير المسيح. أما عن الأمر الثاني، وهو تصريح الإسلام بأن الشفاعة حق محصور في الله وحده دون سواه، فقد جاء في سورة السجدة 32: 4: «ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَى عَلَى ٱلْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ؟». وفي تفسير الجلالين لهذه الآية: «ما لكم» يا كفار مكة «من دونه» أي غيره «من ولي» اسم ما، بزيادة من أيّ ناصر «ولا شفيع» يدفع عذابه عنكم «أفلا تتذكرون» هذا فتؤمنون.

وجاء في سورة الزمر 39: 44: «قُلْ لِلَّهِ ٱلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ». وصراحة هذه الآية لا تحتاج إلى تفسير أو تعليق. فإذا كان الإسلام قد صرح بأن لا شفاعة للبشر، وأن هذه الشفاعة من حقوق الله جل شأنه، في الوقت الذي أثبتها فيه للمسيح، كانت النتيجة المنطقية لهذا هي إقرار الإسلام بلاهوت المسيح. ولم يكن الإسلام في هذا إلا مصادقاً على صحة العقيدة المسيحية التي تعلّم أن المسيح هو شفيعنا لدى الآب السماوي العادل الرحيم، وأنه لا شفيع سواه نرجوه، إذ قدم ذاته كفارة عن خطايا العالم أجمع بذبيحة نفسه. قال الرسول يوحنا: «إِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ ٱلآبِ، يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ ٱلْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ ٱلْعَالَمِ أَيْضاً» (1يوحنا 2: 1، 2). وقال بولس الرسول: «فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضاً إِلَى ٱلتَّمَامِ ٱلَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى ٱللَّهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ» (عبرانيين 7: 25). فشكراً لله لأجل المسيح الشفيع العظيم الذي بشفاعة ذبيحته المقدسة يستطيع كل خاطئ أثيم، يرجع إلى الله ويؤمن به من كل قلبه، أن ينال تطهير خطاياه ويربح الحياة الأبدية، ويحصل على الميراث الذي لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل.

2 - المسيح الديّان

روى البخاري: «لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً» (صحيح البخاري جزء 3 صفحة 107). فهذا الحديث ناطق بأن المسيح سيأتي ديّاناً عادلاً، وهذا ما يعلنه الوحي الإلهي في الإنجيل المقدس حيث قال المسيح: «لأَنَّ ٱلآبَ لاَ يَدِينُ أَحَداً، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ٱلدَّيْنُونَةِ لِلٱبْنِ» (يوحنا 5: 22). وفي ختام سفر الرؤيا: «وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعاً وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ» (رؤيا 22: 12).

فالإسلام - كما يُرى في الحديث السابق تكلم عن المسيح كديّان عادل، فصادق بذلك على صحة المعتقد المسيحي فيه، ووافق قول الإنجيل الطاهر. ولا ريب في أن الدينونة هي عمل داخل دائرة سلطان الله، ولن يستطيع إنسان مهما سما قدره أن يتجرأ على أن يشارك الله تعالى هذا السلطان الخاص به. فإذا كان الإسلام قد نسب للمسيح هذا الحق، فما هو إلا شهادة منه على صدق العقيدة المسيحية عن لاهوت المسيح.

3 - المسيح مصدر الحياة

مرّ بنا عند الكلام عن ألقاب المسيح في القرآن أن الرازي فسر لقب «روح منه» بأنه كان سبباً لحياة الخلق في أديانهم، وأن البيضاوي قال: «سُمّي روحاً لأنه كان يحيي الأموات والقلوب». إذاً فالمسيح بحسب إقرار هذين الإمامين لم يكن سلطانه للإحياء مقصوراً على إقامة الموتى بالجسد، ولكنه أيضاً كان كما هو كائن وسيكون إلى الأبد ذا سلطان لإحياء القلوب، ومنح النفوس سر الحياة الداخلية.

وهذا بعينه ما أعلنه عن نفسه بقوله «أَنَا هُوَ ٱلْقِيَامَةُ وَٱلْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا» (يوحنا 11: 25). وقوله: «وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ» (يوحنا 10: 10). وهذا أيضاً ما أعلنه الرسول بولس بقوله: «صَارَ آدَمُ ٱلإِنْسَانُ ٱلأَوَّلُ نَفْساً حَيَّةً، وَآدَمُ ٱلأَخِيرُ رُوحاً مُحْيِياً» (1كورنثوس 15: 45). فالإسلام يصدّق على ما جاء به الإنجيل عن المسيح كواهب الحياة ومصدرها. ومن الأمور البديهية أن سلطان إحياء القلوب حق من حقوق الله تعالى، وأن الضمير النقي لا يسمح بأن يُنسب لبشرى هذا السلطان. ولذلك فإن شهادة الإسلام للمسيح بأنه الحياة تأييد منه للعقيدة المسيحية عن لاهوت المسيح.

خلاصة الباب الرابع:

رأينا في هذا الباب أن الإسلام أقرّ بلاهوت المسيح بما أثبته له من الألقاب التي لقَّبه بها، ومن الحقائق الخاصة التي صرح بها عن حياته في ذاتها، وبما شهد له به من الكمال الأخلاقي، وبما قرره له من القدرة الفائقة الطبيعة، ثم من الاختصاصات والوظائف التي هي من حقوق الله وحده، لما له من مركز ممتاز. وكفى بذلك دليلاً على لاهوت المسيح، له المجد إلى أبد الدهر. آمين.

الفصل السادس: المسيح الإنسان

أفاض القرآن في الكلام عن المسيح كرسول بعثه الله إلى العالم، فقد جاء في سورة النساء 4: 171: «إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرَوُحٌ مِنْهُ». واتخذ البعض تصريح القرآن بأن المسيح رسول الله دليلاً ينفي الألوهية عنه. ولكننا لا نرى فيه أيّ إنكار أو مساس بالعقيدة المسيحية الصحيحة عن المسيح، فالمسيحية أيضاً تتكلم عن المسيح كرسول، وهي في هذا تنطق بما صرح به المسيح عن ذاته القدوسة. ففي مواضع كثيرة تكلم عن رسالته إلى العالم من قِبَل الآب، ومن ذلك قوله لتلاميذه: «طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ» (يوحنا 4: 34). وقوله: «يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ» (يوحنا 9: 4).

ولرسالة المسيح معنى خاص غير معنى رسالة الرسل الآخرين. فهي رسالة تؤيد لاهوته، وتعلن غاية مجيئه في الجسد. هي رسالة معناها إتيان الأقنوم الثاني إلى العالم متحداً بالناسوت الذي أخذه من العذراء مريم. هي رسالة خاصة به تختلف اختلافاً كلياً عن رسالة البشر المبعوثين.

وكان القصد الجوهري من هذه الرسالة هو إعلان الله للعالم إعلاناً تاماً وحقيقياً، عجز الرسل والأنبياء عن إبلاغه للبشر بصورته التامة. ففي المسيح الإله المتجسد رأينا قداسة الله الكاملة، وبغضه للخطية. وفيه رأينا عدله وحكمته ورحمته الفائقة الوصف، ومحبته لخليقته في صورتها اللانهائية. رأينا هذا كله في حياة المسيح التي فيها قدم المثل الأعلى للحياة الأخلاقية الكاملة، ورأيناه بصورة عملية في موته على الصليب.

ففي ذبيحة المسيح رأينا قداسة الله وبغضه للخطية حتى قدم نفسه فداءً يمحو سلطانها، ويمنح البشر قوة الغلبة عليها. وفيها رأينا عدله الكامل الذي جعله يوفي حقوق ذلك العدل التي كانت مطلوبة منا كاملة في شخصه، تقديساً لتلك الحقوق وإيفاءً لها. وفيها رأينا رحمته التي جعلته يستوفي حقوق عدله المطلوبة منا في شخصه، ويموت هو لكي نحيا نحن، ويتألم هو لكي نستريح بآلامه. وفيها رأينا حكمته التي ظهرت في الجمع بين مطلبي الرحمة والعدل المتغايرين، عن طريق التجسّد والفداء. وفيها رأينا محبته الفائقة الوصف، فليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يضع الإنسان نفسه لأجل أحبائه، كما قال هو لتلاميذه الحواريين (يوحنا 15: 13).

كان تجسد المسيح لأغراض كثيرة. وكان مجيئه كرسول، ليعلن الله للعالم إعلاناً صحيحاً واحداً من تلك الأغراض الكثيرة. وكان تجسُّد المسيح هو الطريق الوحيد لتحقيق تلك الأغراض جميعها، كما أنه كان الطريق الوحيد لتأدية الرسالة لإعلان الله على الوجه الأكمل.

إنه سر عميق، وعمقه يضاعف جلاله، ويزيد في الإحساس بمحبة الله التي تجلّت في مجيئه بالجسد.

أما أن المسيح جاء رسولاً ليعلن الله للعالم فهذا ما يخبرنا به الوحي الإلهي في قوله: «وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ ٱلآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً... اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلٱبْنُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ ٱلآبِ هُوَ خَبَّرَ» (يوحنا 1: 14، 18).

وأما أنّه أدى هذه الرسالة على وجهها الأكمل، فهذا ما أعلنه المسيح في قوله لفيلبس تلميذه: «اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى ٱلآبَ» (يوحنا 14: 9). وكذلك في حديثه مع اليهود حيث قال: «ٱلَّذِي يَرَانِي يَرَى ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي» (يوحنا 12: 45).

وقد وقف قائد المائة تحت الصليب، ولم يستطع أمام صورة المحبة التي رآها في المسيح إلا أن يشعر بأن المصلوب لم يكن إنساناً عادياً، وأن المحبة التي تمثلت في تلك التضحية لم تكن محبة بشرية، لكنها كانت محبة إلهية. وفي المسيح المصلوب رأى قائد المائة الله الذي لا يُرى، فصرخ لوقته «حَقّاً كَانَ هٰذَا ٱلإِنْسَانُ ٱبْنَ ٱللَّهِ» (مرقس 15: 39).

لقد كان المسيح رسولاً، وكان لرسالته معنى خاص امتازت به عن رسالة الأنبياء والرسل، فرسالته كانت لإعلان الله للبشر في شخصه الممجد. وفي هذا يقول الرسول بولس: «اَللَّهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ ٱلآبَاءَ بِٱلأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هٰذِهِ ٱلأَيَّامِ ٱلأَخِيرَةِ فِي ٱبْنِهِ» (عبرانيين 1: 1، 2).

وهذه الرسالة بمعناها الخاص لا تطعن في لاهوت المسيح، بل على العكس هي تفسر مجيء الله بالجسد إلى العالم. والإسلام في كلامه عن المسيح كرسول لم يناقض المسيحية في شيء، فالمسيحية تقول: «والكلمة صار جسداً وحل بيننا»، والإسلام يقول: «إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم». وكلا القولين يفيد معنى واحداً هو أن الله قد اتخذ جسداً من العذراء مريم وجاء إلى العالم ليمنحه فداء وحياة أفضل.

والكلام عن المسيح كرسول معناه الكلام عنه كإنسان، فكيف يكون المسيح إلهاً وإنساناً معاً؟

يظن البعض أن هذا القول ينفي لاهوت المسيح ويناقض العقيدة المسيحية في ذاته القدوسة، ولكن هذا قول مردود، لأن المسيحية لا تعلّم أن المسيح إله وحسب، أو إنسان مجرد، بل إنه إله حق وإنسان حق، وأن اللاهوت فيه قد اتحد بالناسوت، اتحاداً لا اختلاط فيه ولا امتزاج، ولا فناء، وذلك بسرٍّ يفوق الإدراك البشري ويسمو فوق مستوى العقول.

ولقد تكلم الإنجيل عن المسيح كإله وكإنسان، بل إنّ المسيح نفسه قرّر هذا عن شخصه الممجد، فأعلن أنه والآب واحد (يوحنا 10: 30). كما أعلن أنه ابن الإنسان (لوقا 19: 10). واستعمل التعبيرات التي تنبئ بلاهوته واتحاده الكامل بالله الآب ومساواته له (يوحنا 17: 14). كما استعمل التعبيرات التي تشير إلى ناسوته، كقوله لمريم المجدلية: «وَلٰكِنِ ٱذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلٰهِي وَإِلٰهِكُمْ» (يوحنا 20: 17).

ولو أن المسيحية علّمت باختلاط أو امتزاج بين طبيعتي اللاهوت والناسوت في المسيح، لكان هناك محل لاتخاذ التعبيرات التي تشير إلى ناسوته برهاناً على ضلال التعاليم المسيحية وبطلانها. أما والمسيحية تعلّم بأن كلتا الطبيعتين ومع اتحادهما التام في ذات المسيح قد حفظتا كيانهما وخواصهما، فلم يبق مجال للاعتراض على هذا التعليم استناداً إلى التصريحات الإنجيلية والقرآنية التي تشير إلى ناسوته له المجد.

ويجدر بنا هنا أن نذكر أن كفارة المسيح لم تُبْنَ إلا على أساس التعليم باتحاد الطبيعتين فيه، مع احتفاظ كل منهما بكيانها وخواصها، لأن الكفارة كانت تستلزم ذبيحة دموية حقيقية، وهذه الذبيحة تستلزم جسداً حقيقياً تماماً، وهذا الجسد هو جسد ابن البشر. لأن الكفارة كانت تستلزم أن يكون في هذا الجسد، المقدم فدية عنا جسداً فوق الطبيعة البشرية، لتكون له القيمة التي توفي مطالب العدل الإلهي كاملة، ولتجتمع فيه الرحمة والعدل معاً. ولهذا شاءت محبته تعالى أن يحل اللاهوت في جسد ابن الإنسان، لتكون الكفارة كفارة إلهية، يستوفي بها العدل الإلهي جميع حقوقه كاملة. وهذا ما اجتمع في المسيح الإله والإنسان، ولهذا لا يمكن أن يُعتبر الكلام عن ناسوت المسيح ناقضاً لحقيقة لاهوته، ولا يمكن اتخاذه برهاناً ضد صدق تعليم المسيحية عن لاهوت المسيح.

الخلاصة:

نرى مما سبق أنه من الخطأ أن يعتبر ما أثبته الإسلام عن ناسوت المسيح سواء في الكلام عنه كرسول، أو فيما ذكره من التصريحات الأخرى تهجُّماً على العقيدة المسيحية، أو إنكاراً لها. والذي يطالع سورة النساء 171 يرى أن القرآن ذكر أن المسيح كلمة الله وروح منه في ذات العبارة التي تكلم فيها عنه كرسول، فيعلم أن الإسلام قد أثبت للمسيح لاهوته وناسوته معاً. وهذا هو ما تعلم به المسيحية.

الباب الخامس: الكفارة

في دراستنا لموضوع الكفارة سنتطرق إلى موضوعين:

1 - عقيدة الكفارة في المسيحية

2 - تصريحات الإسلام عن الكفارة

الفصل الأول: عقيدة الكفارة في المسيحيّة

تتلخص العقيدة المسيحية عن كفارة المسيح فيما يأتي:

  1. إنّ الإنسان الأول سقط في العصيان، وبسقوطه هذا وقع تحت حكم الموت، الذي أنذره به الله عندما وضعه في جنة عدن، وقضى به عليه، كما أنه قد خسر حالة الكمال الأخلاقي التي خلقه الله عليها، وأصبح خاضعاً لناموس الفساد وسلطان الخطية.

    ولما كان الشوك لا يثمر تيناً فقد صار جميع نسل هذا الإنسان الأول فاسداً كفساده، واقعاً مثله تحت حكم الموت.

  2. إنّ الله وإن كان غير خاضع لناموس خارج عنه، إلا أنه مرتبط بناموس كماله الأخلاقي، فهو وإن كان على كل شيء قدير، إلا أن كماله الأخلاقي لا يسمح له بأن يأتي ما يناقض طبيعته الخيِّرة والقدوسة. فالله لا يمكن أن يكذب، وليس هذا لأنه خاضع لقانون يحاسبه، بل لأن الصدق من صفات كماله الأخلاقي. فهو وإن لم يكن مرتبطاً بقانون خارجي، إلا أنه مرتبط بقانون طبيعته الأخلاقية الكاملة، وهذا يجعله لا يفعل ما يخلّ بأيّ صفة من صفاته أو ما يمسها.

    ومن صفاته تعالى رحمته المتناهية وعدله الكامل. وقياساً على ما ذكرنا من ارتباط الله بكمال صفاته، نقول إنّه من المستحيل أن يتصرف الله تصرفاً تدعو إليه رحمته ويكون مناقضاً لعدله، أو يفعل ما يتطلبه عدله ويناقض رحمته. فارتباط الله بقانونه الذاتي يجعله لا يصنع رحمة تمس عدله، ولا ينفذ عدلاً يتناقض مع رحمته.

  3. إنّ الإنسان لما سقط، تنازعه مطلبان: العدل يطلب تنفيذ الحكم عليه كاملاً لا تساهل فيه ولا تفريط. والرحمة تطلب من جانبها الصفح عنه صفحاً تاماً لا حساب فيه ولا عتاب. والمطلبان متناقضان.

    ونشأت عن هذا الموقف مشكلة، اقتضت حلاً يجمع بين المطلبين المتناقضين ويوفق بينهما، بتقديم فدية ينال بها الإنسان الصفح والغفران، ويستوفي بها العدل الإلهي حقوقه كاملة.

  4. لم تكن هناك فدية تتمم مطالب العدل والرحمة إلا الفدية من جانب الله نفسه، لأن الفدية يجب أن تكون طاهرة من كل عيب ودنس، مقدسة بلا لوم. وليس في كائنات العالم بأسرها من هو طاهر وقدوس وبلا عيب سوى الله جل جلاله. ويجب أن تكون أيضاً عظيمة القدر توازي قدر نفس البشر التي خُلقت على صورة الله ومثاله، وليس في العالم بأسره من له هذه القيمة التي توازي ثمن العالم بأجمعه سوى الله.

    وهنا نشأت مشكلة أخرى، هي أن الله لا جسد له يقدمه فدية عن العالم، فلم يكن بد من أن يتخذ الله جسداً، فيه يتحد اللاهوت والناسوت. وهذا ما تم في السيد المسيح، باعتباره الله الذي ظهر في الجسد. ففي المسيح كمال مطلبي العدل والرحمة. فالعدل أخذ حقوقه كاملة، إذ قدم المسيح ذاته ذبيحة مقدسة كريمة لأنها ذبيحة الناسوت المتحد باللاهوت ذي الجلال والعظمة والقداسة الكاملة. والرحمة استوفت مطلبها كاملاً إذ نال الإنسان الصفح والغفران، ومزق صك الدينونة التي كانت كالسيف فوق رأسه.

    وذبيحة المسيح كما أعلنت رحمة الله، وظهر فيها عدله الكامل كشفت للعالم عن جميع صفات الله الأخرى. ففيها ظهرت محبته العميقة الكاملة للبشر، التي جعلته يفديهم بذاته القدوسة. وفيها ظهرت قداسته في بغضه للخطية حتى صُلب ليمحو سلطانها. وظهرت حكمته في الجمع بين مطلبي الرحمة والعدل المتناقضين.

  5. إنّ المسيح ككفارة قد مات، وكابن الله قد قام من الأموات وصعد حياً إلى السموات.

الخلاصة:

تعلم المسيحية أن الله أسكن آدم وزوجه الجنة، وأمرهما بعدم الأكل من شجرة معرفة الخير والشر، وإلا ماتا وتعرّضا لعقاب الله ودينونته العادلة. فخالفاه وأكلا، فسقطا واستحقا القصاص الإلهي، وكانا في سقوطهما نائبين عن الجنس البشري بأجمعه. وهذا السقوط قد أنتج فساد الطبيعة البشرية، وحرمها ما منحها الله من كمال، كما أنه أوقف الإنسان بين مطلبي العدل والرحمة الإلهيين، وهما مطلبان متناقضان. فلما جاء ملء الزمان ظهر الله في الجسد لمحبته الفائقة لخليقته، وجال يفعل خيراً، ثم مات على الصليب فداءً عنا وإتماماً لمطالب عدله ورحمته، ثم قُبر وقام وصعد إلى السموات.

الفصل الثاني: تصريحات الإسلام عن الكفارة

جئنا في البحث السابق بخلاصة العقيدة المسيحية في كفارة المسيح الفدائية. ونقرر الآن أن هذه الحقائق بعينها قد أيّدها الإسلام بتصريحات متكررة. ولنستعرض الآن ما جاء في الإسلام بشأن تلك الحقائق حسب ترتيبها:

1 - عصيان الإنسان الأول وسقوطه

جاء في سورة البقرة 2: 35 ، 36: «وَقُلْنَا يَا آدَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ».

وإن ما جاءت به هذه الآية، وما فسرها به المفسرون، يصرح بثلاثة أمور:

أ - تسجيل العصيان على آدم وحواء وأبنائهما بوقوعهم في زلة المخالفة لأمر الله تعالى.

ب - إن آدم وحواء كانا نائبين عن الجنس البشري بأجمعه، وهذا واضح من تفسير المفسرين لقوله: «وقلنا اهبطوا». وهذا معناه أن سقوطهما اعتُبر في نظر الله سقوطاً للبشرية جمعاء. يؤيد هذا الحديث الذي رواه الترمذي وهو «جحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فأكل من الشجرة فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته». فهذا الحديث صريح في أن كل ما أتاه آدم من الخطأ والعصيان اعتُبر في نظر الله أنه صادر من ذريته، وفي هذا إقرار واضح بأن آدم كان نائباً عن الجنس البشري بأسره. والقرآن يوضح أن الله «أخرجهما» في صيغة المثنى وحلَّ العقاب بالبشر جميعاً «اهبطوا بعضكم لبعض عدو» في صيغة الجمع.

ج - فساد الطبيعة البشرية عقب سقوط آدم وحواء، وهذا واضح من قوله: «بعضكم لبعض عدو»، ومن تفسير المفسرين له بأنه نبوءة بما سيقع من الظلم والعدوان من البشر على بعضهم البعض كأثرٍ لسقوط آدم وحواء في زلة العصيان. فهو نبأ بما باتت عليه الطبيعة البشرية من فساد نتيجة لعصيان آدم وحواء.

ومما يثبت هذا الرأي سورة يوسف 12: 53: «إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوءِ» وقال الرازي في تفسيرها: «إن النفس لأمارة بالسوء» أي ميالة إلى القبائح راغبة في المعصية، والطبيعة تواقة إلى اللّذات. ولما كان الغالب انجذاب النفس إلى العالم الجسداني، وكان ميلها إلى الصعود نادراً، حكم عليها بكونها أمارة بالسوء.

ثم إنّ الإسلام يقرر أن الجميع خضعوا لعوامل الفساد، وخنعوا لسلطان الخطية وعبودية الإثم، وهذا واضح من قوله: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا وَنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً» (سورة مريم 19: 71، 72). وقوله: «وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ» (سورة النور 24: 21).

ويؤيد هذا أيضاً ما سجله الإسلام على جميع الأنبياء بلا استثناء، من الوقوع في الخطأ ومخالفة أوامر الله. فآدم ونوح وإبراهيم وموسى وداود وسليمان، وكل الأنبياء بلا فارق، قد زاغوا وأخطأوا. ولقد أتينا في الباب الرابع ببعض الآيات التي تثبت وقوع الأنبياء في الخطأ والمعصية. وجاء في صحيح مسلم والبخاري «ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته». وعن أبي هريرة أنه قال: «سمعت رسول الله يقول: إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة».

فالإسلام يقرر بوضوح فيه أن البشر جميعاً قد زاغوا وفسدوا وخضعوا لسلطان الفساد، ووقعوا في عثرة العصيان. وهكذا نرى أن الإسلام قد صادق على ما تعلّم به المسيحية من أن الإنسان الأول سقط، وأنه في سقوطه كان نائباً عن ذريته كلها. فكان سقوطه سقوطاً للبشرية بأسرها، وأن الطبيعة البشرية قد أصابها الفساد نتيجة ذلك السقوط. قال في سورة التين 95: 4، 5: «لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ». وهذه هي الحقائق التي ينهض عليها الركن الأول من أركان العقيدة المسيحية في كفارة المسيح وضرورتها.

2 - الله عادل ورحيم

تصريحات الإسلام عن عدل الله ورحمته كثيرة وافرة، ونستطيع أن نقسم الآيات التي وردت بالقرآن عن هذا إلى ثلاثة أقسام: (1) يتضمن الآيات التي تشير إلى مجازاة الأشرار وفاء لعدله الإلهي. (2) يتضمن الآيات التي تتحدث عن رحمته تعالى. (3) يتضمن الآيات التي نصَّت على العدل والرحمة معاً مثبتة أن الله مرتبط بكليهما في أفعاله.

أ - الآيات التي تشير إلى مجازاة الأشرار وعقاب الله للخطاة الأثمة وفاءً لعدله الإلهي:

  • «وَٱتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ» (سورة البقرة 2: 48).

  • «إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ... إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ» (سورة آل عمران 3: 4 - 11).

  • وجاء في نفس السورة «فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ... وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِين» (سورة آل عمران 3: 56، 57).

  • «إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ» (سورة آل عمران 3: 91).

  • «إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» (سورة آل عمران 3: 116).

  • «فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ» (سورة المؤمنون 23: 101 - 104).

  • «وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ ٱللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» (سورة العنكبوت 29: 22 - 23).

ب - الآيات التي ذُكرت فيها رحمته تعالى، وأنه جل شأنه مرتبط بها:

  • «قُلْ يَا عِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ» (سورة الزمر 39: 53).

  • «قُلْ لِمَنْ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ ٱلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ» (سورة الأنعام 6: 12).

  • «وَإِذَا جَاءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (سورة الأنعام 6: 54).

    ولنلاحظ في الآيتين الأخيرتين التصريح بأن الله قد «كتب على نفسه الرحمة» وهذا يؤيد النظرية التي ذكرناها سابقاً، وهي أن الله مرتبط بصفاته الأدبية، فهو وإن كان قد تعالى عن كل قانون إلا أنه مرتبط بقانون كماله الذي «كتبه على نفسه» لا يتغير عنه ولا يتحول، فليس عنده تغيير ولا ظل دوران.

  • وجاء في سورة النور 24: 14 : «وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ».

ولنلاحظ في هذه الآية أيضاً تدخل الرحمة في خلاص الناس، وأنه لولا رحمته تعالى لقضى على البشر بالعقاب الأليم، ولمسَّهم عذاب عظيم.

ج - الآيات التي ورد فيها ذكر الرحمة والعدل معاً، وارتباط الله بكليهما:

  • «ٱعْلَمُوا أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (سورة المائدة 5: 98).

  • «إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» (سورة الأعراف 7: 167).

  • «وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ» (سورة الرعد 13: 6).

  • «غَافِرِ ٱلذَّنْبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ» (سورة غافر 40: 3).

وهكذا نجد أن الإسلام يثبت صفتي العدل والرحمة لله تعالى، ويقرر أنه جل شأنه مرتبط بكليهما في معاملة البشر، وهذه مصادقة منه على الركن الثاني من الأركان التي يرتكز عليها تعليم الكفارة في المسيحية.

3 - الفدية

ذكرنا آنفاً أن المسيحية تعلم أن الله لكي يجمع بين عدله ورحمته في تصرفه مع الإنسان عقب سقوطه دبر طريقة فدائه، بتجسد ابنه الحبيب وموته على الصليب نيابة عنا، وبهذا أخذ العدل حقه، وتكملت الرحمة فنال البشر العفو والغفران، وهذه هي نظرية الفدية. ولقد صادق الإسلام عليها في قصة امتحان الله لإبراهيم في ابنه: «فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ» (سورة الصافات 37: 102 - 111).

في هذه الآية وفي أقوال المفسرين لها، إعلان عن أهم الحقائق الخاصة بالفدية كما تعلّم به العقيدة المسيحية، ففيها إعلان عن مبدأ الفدية ذاته، وكيف تنوب الفدية عن المفديّ بها، وكيف يُعتبر ما تم كأنه تمَّ للمفدي نفسه بالفعل. وهذا واضح من قول البيضاوي في تفسيره: «بما يذبح بدله فيتم به الفعل». وفيها إعلان عن طريقة الفداء بالذبح في قوله: «وفديناه بذبح عظيم». ومعلوم أن المسيحية تعلّم أن الطريقة التي رتبها الله منذ سقوط الجنس البشري لفدائه هي ذبيحة المسيح، وأن جميع الذبائح التي وُضعت رسومها في اليهودية كانت رمزاً وإشارة لذلك الذبح العظيم.

4 - المسيح هو الفادي الوحيد

لا يخفى أن المسيحية تعلّم أن تجربة إبراهيم، وما جرى فيها، كانت رمزاً إلى الفداء الذي كان عتيداً أن يتم في المسيح، وأنّ في إيراد الإسلام لتلك الحادثة، مع نسبة العظمة إلى الفدية دليل جديد من أدلة مصادقة الإسلام على العقيدة المسيحية في تعليم الفداء بالذبيح العظيم يسوع المسيح الذي فدانا بدمه الكريم.

وما نسبه الإسلام للمسيح من حق الشفاعة يؤيد هذا الرأي ويثبته. لقد مر بنا عند الكلام عن لاهوت المسيح أن الإسلام أثبت الشفاعة للمسيح، وذلك فيما ذكره المفسرون عند تفسيرهم قوله: «وجيهاً في الدنيا والآخرة». فقد أجمع الرازي والجلالان والبيضاوي والزمخشري على أن المقصود بالوجاهة هنا الشفاعة، وقد بينّا هناك كيف أن نسبة الشفاعة للمسيح تبرهن لاهوته الممجد. وهنا نقول إنّها تقدم برهاناً على صدق عقيدة الكفارة التي علّمت بها المسيحية.

وشفاعة المسيح تتفق مع عدل الله ورحمته وتجمع بينهما. وقد مرّ بنا الكلام عن ارتباط الله بصفاته، وكيف أنه كتب على نفسه الرحمة والعدل، بما يجعله قائماً بتقديسهما في جميع أفعاله، وإذاً فما كان في الإمكان أن يعطي الله تعالى المسيح حق الشفاعة، ويخصه بها دون سواه، مع أنها من حقوقه وحده كما سبق بيان ذلك لو لم يكن المسيح موفياً بذبيحته مطلبي العدل والرحمة، ولو لم يكن هناك سبيل إلى إتمام ذلك التوفيق بينهما إلا بتقديمه ذاته كفارة يستوفي فيها العدل مطاليبه وتتم بها رحمة الله لجميع أفراد البشرية. وعلى هذا فاعتراف الإسلام للمسيح بحق الشفاعة برهان على صدق عقيدة الكفارة كما تعلّمها المسيحية.

يضاف إلى هذا دليل ثالث جاء في سورة مريم 19: 21 عن المسيح وهو: «وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا». فهذا بعينه هو ما تقول به المسيحية من أن المسيح بكفارته التي قدمها عنا أكمل بها رحمة الله للناس، إذ رفع عنهم حكم الدينونة ونجاهم من الهلاك الأبدي، ووهبهم نعمة الحياة.

وإذاً فالمسيح كان للناس فادياً، وكان هو الذبيح العظيم، والشفيع الكريم، والرحمة التي أسبغها الله على العالمين.

4 - الكفّارة

تعلم المسيحية أن المسيح قد مات وقُبر، ثم قام من بين الأموات، وصعد إلى السموات. وفيما يلي ما جاء في الإسلام مؤيداً لهذه العقيدة المسيحية:

  • «إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» (سورة آل عمران 3: 55).

  • «وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ» (سورة المائدة 5: 117).

  • «وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ» (سورة النساء 4: 157، 158).

ففي هذه الآيات نرى الإسلام يصرّح بأن المسيح قد توفي ثم رُفع إلى السموات حياً. وهذا هو بعينه ما تعلّم به المسيحية في هذا الشأن. ولقد حاول بعض المفسرين أن يقلبوا الحقيقة إلى مجاز بتحويلهم معنى الموت هنا إلى النوم. ولكن هذا رأي مردود، لأن الفعل «توفي» ومشتقاته ورد خمساً وعشرين مرة في القرآن، كان في كل مرة منها يدل على الموت وقبض الروح، إلا في موضعين اثنين منها دلت القرينة فيهما على استعمال هذا الفعل للنوم مجازاً، وهما قوله: «وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِٱللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِٱلنَّهَارِ» (سورة الأنعام 6: 60). وقوله «ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا» (سورة الزمر 39: 42). ففي هاتين الآيتين نرى المجاز واضحاً في استعمال الفعل «يتوفى» للنوم، إذ في الأولى يعني المعنى بقوله: «يتوفاكم بالليل»، ويعنيه في الثانية بقوله: «لم تمُت في منامها». وأما ما ورد عن المسيح فليس فيه ما يشير مطلقاً إلى استعمال المجاز فيهما. وقد أيّد القرآن هذه الحقيقة في مواضع أخرى، فقال في سورة مريم 19: 33 على لسان المسيح «وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً». ففي هذه الآية نرى ثلاث درجات أقرّ القرآن بأن المسيح سيجوزها كلها، وهي الميلاد والموت والبعث منه. ولقد أقرّ القرآن بحدوث الدرجة الأولى والثالثة، فذكر ميلاد المسيح العجيب وأطنب فيه، كما ذكر أن الله رفعه إلى السماء. فلا مفر إذاً من الاعتراف بحدوث الدرجة الثانية التي تتوسط الدرجتين الأولى والثالثة لفظاً ومعنى. ولنلاحظ أن هذه الدرجات جاءت في سورة مريم 19: 15 عند الكلام عن يحيى بن زكريا فقال: «وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً ». وثابت أن يوحنا المعمدان (أو يحيى) قد مات. وإذاً فاستعمال ذات التعبير، الذي تكلم عن ولادة يحيى وموته وقيامته، عند الكلام عن المسيح إقرار صريح بموته.

وجاء في سورة مريم 19: 31 أيضاً قوله: «وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً» ففي هذه الآية نجد إقراراً آخر بموت المسيح، إذ لو كان المسيح قد ارتفع إلى السماء دون أن يموت، لوجبت عليه الزكاة تنفيذاً للوصية الإلهية. وكيف يزكي في السماء إن كان قد رُفع اليها قبل أن يجوز الموت؟ والمؤمنون هناك لا يحتاجون إلى الزكاة. فإما أن يكون المسيح قد رُفع إلى السماء قبل موته، وهو الآن حي فيها، ولا يستطيع الزكاة، فيمسي وقد خالف الوصية. وإما أنه حي على الأرض يزكي فينفذ وصية الله. وفي هذه الحالة لنا أن نسأل: أين يقيم الآن؟ ومن هم الذي يتناولون منه الزكاة؟

إنّ المسيحيّة والإسلام يتفقان في أنه رُفع إلى السماء، فلا مفر عن النظر في آية بحثنا من الحكم بموته حتى تنتفي عنه الزكاة، وحتى يستقيم معنى الآية.

ولقد صادق الكثير من أئمة المسلمين وأقطاب مفسريه وعلمائه على عقيدة موت المسيح، كما رُوي عن ابن عباس وعن محمد بن إسحق، وإنما اختلفوا في مدة موته. فقال وهب: تُوفي المسيح ثلاث ساعات ثم رُفع، وقال ابن إسحق: تُوفي سبع ساعات ثم أحياه الله ورفعه إليه. وقال الربيع بن أنس: إنّ الله تعالى توفاه حين رفعه إلى السماء.

أما النساء 4: 157، 158 التي يبدو فيها معنى الإنكار لصلب المسيح وموته وهي: «وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ» فإننا لا نرى فيها ما يراه الآخرون من إنكار لحقيقة موت المسيح وصلبه، فهي إنما تُكذِّب اليهود في قولهم «إنّا قتلنا المسيح» لأنهم لم يقتلوه ولم يصلبوه، فما كانوا يملكون ذلك أو يقدرون عليه، فلم يكن لهم السلطان والحكم أيام المسيح، وإنما كان الفاعل هو الوالي الروماني إذ كانت السلطة منزوعة من أيدي اليهود وقتئذ، وكان الرومان هم أصحاب الشأن في البلاد اليهودية. فلما نفذ جنود الرومان الحكم، شُبِّه لليهود أنهم قتلوا المسيح، لأنهم كانوا المشتكين عليه وطالبي صلبه، فلما أُجيبوا إلى ما طلبوا شُبّه لهم أنهم هم الفاعلون. ويقرّب هذا إلى الأذهان ما نراه في محيطنا الآن، إذ يذهب أحد الوجهاء إلى وزير ما ويطلب عملاً لقريبه، فإذا أجابه الوزير إلى ما طلب ادّعى هذا الوجيه بين قومه وذويه أنه (عيّن فلاناً ووظّف فلاناً). وكلنا يعلم أن هذا الوجيه لم يعيّن أحداً لأنه لا يملك حق التعيين، والوجيه قد طلب التعيين فقط، فلما تم خُيّل إليه أو شُبّه له أنه هو الفاعل. فالوجيه في هذا المثل كاليهود أيام المسيح، والوزير كالوالي الروماني. والمسيح كقريب الوجيه. فاليهود ما قتلوا المسيح وما صلبوه ولكن شُبِّه لهم.

وهناك تأويل آخر: إنّ اليهود حين صُلب المسيح ومات ظنوا أنهم بموته قد محوا ذكره، وقضوا على تعاليمه وجعلوه محتقراً بين الأمم. ولكنهم كانوا في ظنهم مخطئين، لأن الصليب صار واسطة لإذاعة اسمه وتعظيم شأنه، وحجر الزاوية في بناء الدين المسيحي، فشُبّه لليهود أنهم قتلوه، وما قتلوه وما صلبوه بل رفعه الله إليه، وجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا به.

الخلاصة:

نستخلص مما سبق أن الإسلام لا يحارب المسيحية في حقيقة الكفارة، كما أنه لا يحاربها في تعاليمها الأخرى التي سبق القول فيها وتقدمت الأدلة عليها. وإذاً فمن الخطأ البيّن أن يُعتبر الإسلام عدواً للمسيحية، أو أن المسيحية ترى فيه عدواً لها. فما كان الإسلام إلا مصدقاً لما نؤمن به من حقائق وعقائد، كما نعت القرآن نفسه بقوله «مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ» (سورة المائدة 5: 48).

كلمة ختامية

إن الآيات التي تحمل معنى الإنكار لعقيدة لاهوت المسيح هي في الحقيقة شهادة بصحة تلك العقيدة. أما أهم الآيات فهي قوله في النساء 4: 171، 172: «يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرَوُحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ ٱنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَى بِٱللَّهِ وَكِيلاً لَنْ يَسْتَنْكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاَئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً».

وقوله في المائدة 5: 17، 72، 73، 75، 116: «لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً... لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُوا ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. مَا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلْطَعَامَ... وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ».

وقوله في سورة التوبة 9: 31: «ٱتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ».

هذه الآيات تحمل في ظاهرها معنى إنكار العقيدة المسيحية عن لاهوت المسيح. ولكن التأمل فيها يكشف عن غرض آخر ترمي إليه، توضحه نفس نصوص الآيات كما توضحه تفاسير أشهر المفسرين لها.

أما هذا الغرض فليس هو محاربة المسيحيين عامة في عقيدتهم عن لاهوت المسيح، ولكنه محاربة فرقة خاصة قد شطت عن الصواب، وضلت عن الحق، وذهبت في عقيدتها عن المسيح مذاهب غريبة عن التعليم الصحيح، كما ذهبت إلى أن العذراء مريم قد صارت هي أيضاً بولادتها المسيح إلهاً ثالثاً. فهذه الفرقة ترى أن الثالوث والد ومولود وصاحبة. وحارب الإسلام هذه العقيدة، وهي ليست العقيدة المسيحية الصحيحة.

جاء في هذه الآيات قوله: «إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ. وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» (سورة المائدة 5: 72، 73 والتوبة 9: 31).

فهذه التصريحات برهان ناطق على أن العقيدة التي أراد الإسلام محاربتها بهذه الآيات وما يشابهها ليست هي مجرد الإعتقاد بلاهوت المسيح، إنما هي عقيدة الإشراك والتعدد. فهذه الآيات أُريد بها إثبات أن الله واحد لا شريك له، وهذا لا يناقض معتقدنا في وحدانية الله تعالى، ولا يتعارض مع إيماننا بلاهوت المسيح له المجد، يؤيد هذا قوله في الآيات السابقة «أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ ٱللَّهِ؟» (المائدة 5: 116) فهو قول يُفصح أن هناك شيعة ذهبت إلى الاعتقاد بأن كلاً من المسيح ومريم إله قائم بذاته منفصل عن الإله الواحد. وما كانت العذراء مريم إلهاً، ولا كان المسيح إلهاً ثانياً منفصلاً عن الإله الواحد. وهذا ما أرادت الآية إثباته. ويزيد هذا إيضاحاً قوله «وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ... إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ» (النساء 4: 171). فواضح أن ما أُريد مقاومته إنما هو الإعتقاد بالإشراك والتعدد، وكذلك الاعتقاد بالتوالد التناسلي، وأن ما أُريد إثباته هو التوحيد والتنزيه عن فكرة التوالد.

قال الجلالان (ص 98) في تفسير قوله: «لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة» أي أحدهما والآخران عيسى وأمه. وهم فرقة من النصارى.

قال البيضاوي في تفسير آية النساء: «وقيل الخطاب للنصارى خاصة فإنه أوفق لقوله «ولا تقولوا على الله إلا الحق» يعني تنزيهه عن الصاحبة والولد... «فآمِنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة» أي الآلهة ثلاثة الله والمسيح ومريم» (البيضاوي ص 164 ، 165).

وفي هذا التفسير إقرار بأن المطلوب نفيه في الآية هو أن الله له صاحبة، وله ولد، وأن الآلهة ثلاثة: الله والمسيح ومريم. وما علّمت المسيحية بأن الله له صاحبة، ولا علّمت بأن المسيح ولد الله بمعنى الولادة التناسلية، ولا قالت المسيحية في تعليمها الصحيح إن الآلهة ثلاثة، ولكنها على العكس علّمت ولا زالت تعلّم أن الله إله واحد. إذاً فالإسلام لم يهاجم المسيحية في عقيدتها السليمة، وإنما كان يهاجم فرقة مبتدِعة من النصارى شطّت عن جادة الصواب ووقعت في هوة سحيقة من الكفر والضلال.

الخلاصة:

الذي أراده الإسلام هو مقاومة كل تعليم يرمي إلى الإشراك والتعدد والتوالد التناسلي، واعتبار المسيح إلهاً منفصلاً عن الله، واتخاذ مريم إلهاً من دون الله. والمسيحية لا تعلّم بإشراك ولا تعدد ولا توالد تناسلي، ولا تقول إن مريم إله، ولا تعلم أن المسيح إله منفصل عن الله.

فالإسلام إذاً في موقفه هذا لا يعادي المسيحية الصحيحة ولا يقاومها، ولكنه على العكس يسير معها جنباً إلى جنب ويحالفها في إشهار الحرب ضد تلك الفرقة المبتدِعة. وبديهي أن الإسلام لو كان يعتقد أن المسيحية بأسرها حادت عن الحق في هذا، وأنه أراد بهذه النصوص النعي على المسيحية عامة لَمَا مجَّد المسيحية وشهد بصحة إيمان تابعيها. فقد قال في سورة آل عمران 3: 113، 114: «...لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَاءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ». وقال أيضاً في نفس السورة 55: «إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ».

فهنا نرى الإسلام يحكم للمسيحيين بالإيمان الصحيح بالله، ويشهد لهم ببعدهم عن الكفر، كما يشهد برفعهم فوق الكافرين إلى يوم القيامة. فالمسيحية باقية صحيحة وكتابها باق لم يُحرَّف، ومجدها سيبقى إلى الأبد، وسيبقى الذين آمنوا بها فوق الذين كفروا بها إلى يوم القيامة.

وبعد

أليست هذه المقارنة تنطق بصورة واضحة بالتشابه بين ما صرّحت به المسيحية عن مجد المسيح ككلمة الله الأزلي، وبين ما صرّح به الإسلام عن شخصه المبارك الممجد؟

وهلا تثبت هذه المقارنة دعوانا أن الإسلام ما حارب المسيحية قط، بل على العكس كان مؤيداً لتعاليمها، مصدقاً على عقائدها في المسيح مؤسسها، ذاك الذي له المجد إلى الأبد. آمين.

مسابقة الكتاب

عزيزي القارئ،

لا شك أنك استفدت من قراءتك لهذا الكتاب النفيس. فلكي تختبر معلوماتك، وتختزن حقائق ومعارف جديدة تضيفها لدائرة معارفك، ندعوك للإجابة على الأسئلة التالية:

  1. بحكم أيّ آية وتفسيرها يكون المسيحيون في نظر الإسلام موحدين؟

  2. أعط آية قرآنية شهدت للمسيحيين بالمودة والوداعة والرأفة والرحمة.

  3. أعط مثلاً على شهادة القرآن بتنزيل التوراة.

  4. أعط مثلاً من القرآن على تنزيل الإنجيل.

  5. أذكر بعض ألقاب الكتاب المقدس في القرآن.

  6. اذكر بعض صفات الكتاب المقدس في القرآن.

  7. كيف تثبت عدم تحريف الكتاب المقدس من القرآن والإسلام؟

  8. كيف نردّ على دعوى التحريف؟

  9. لخِّص فكرة المسلمين عن الوحي والإنجيل.

  10. ما هو تعريف الوحي والإنجيل في المسيحية؟

  11. ما هو النسخ؟ وهل يُعقل نسخ كتاب مقدس أنزله الله؟

  12. أين نجد في القرآن حضّ المسلمين على تلاوة التوراة والإنجيل؟

  13. ما هو التثليث الذي حاربه القرآن؟

  14. ما نوع البنوّة التي حاربها القرآن؟

  15. لخِّص موقف علماء الإسلام من عقيدة الثالوث المسيحية الصحيحة.

  16. ما الذي تستنتجه من الآيات 37 - 45 من آل عمران و 87 من البقرة؟

  17. من هو الروح القدس في الإسلام؟ وهل اتفقت كلمة المفسرين عليه؟

  18. من هو الروح القدس في المسيحية؟

  19. عدّد ألقاب المسيح وأسماءه في القرآن.

  20. تحدث عن شهادة القرآن لكمال المسيح الأخلاقي وقدرته الفائقة ومركزه الممتاز.

  21. تحدث القرآن عن حقائق خاصة بحياة المسيح، فما هي؟

  22. نسب القرآن بعض الحقوق الإلهية للمسيح، هي من حقوق الله واختصاصه، فما هي؟

  23. ما الذي تستنتجه من نسبة الحقوق الإلهية للمسيح؟

  24. أفاض القرآن والإنجيل في الكلام عن المسيح كإنسان ورسول، فهل ينفي ذلك عنه الألوهية؟

  25. أين تجد في الإنجيل الكلام عن ناسوت المسيح وألوهيته؟

  26. أكتب تعليقك على قول القرآن: «إنما المسيح ... رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم...».

  27. ماذا تفهم من كفارة المسيح؟ وهل في الإسلام ما يؤيدها؟

  28. لخِّص معلوماتك عن صلب المسيح وموته ودفنه وصعوده إلى السماء.

  29. ما موقفك الشخصي من عمل المسيح الكفاري وفدائه للخطاة؟

  30. ما الذي خلصت إليه بعد قراءتك لهذا الكتاب؟

الرجاء استخدام الاستمارة الخاصة بالموقع للاتصال بنا:

www.the-good-way.com/ar/contact

او يمكنك ارسال رسالة عادية الى:


The Good Way
P.O. BOX 66
CH-8486
Rikon
Switzerland